الطريق الأقل طَرْقا نحو فلسطين

دعونا نقف للحظة وننظر في المرآة ونُـقرُّ بالفشل ليس فقط في تحرير شبر واحد من فلسطين أو منع إقامة مستوطنة أو الحيلولة دون خلع زيتونة عمرها الف سنة، ولكننا فشلنا حتى في العثور على خطة عمل جادة ومجدية لتحقيق أي من هذه الأهداف. وإذا لم نشخّص هذا الفشل من جذوره فلن نتقدم قيد شعرة وسنظل ندور في حلقات مفرغة من أي معنى.

كل برنامج عمل لا يقوم على الفهم الصحيح للحقائق والمسلَّمات المتعلقة به يبوء بالفشل. كان أمامنا حقائق واضحة ولكننا أسأنا استيعابها وتفسيرها بصورة عقلانية. النكبة كانت حقيقة واقعية، قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين كانت حقيقة واقعية، أكثر من 58 مخيم لاتزال تأوي أكثر من مليون ونصف فلسطيني حقيقة واقعية، إحتلال فلسطين الجغرافية من النهر إلى البحروهدم وتجريف أكثر من 400 قرية عربية، والتطهير العرقي الذي صاحب كل هذا حقيقة واقعية.  أعتقد أنه لا يختلف على هذه المسلّمات في الدنيا كلها إثنان.

أدْركَ الشعب الفلسطيني منذ سماعه بالحركة الصهيونية – بدرجات متفاوتة –  ما كان يدور حوله وما يُطبخ له في أوروبا ومستعمراتها في الوطن العربي، وقاوم بكل ما أوتي من قوة وبكل السبل التي أُتيحت له منذ وعد بلفور أوقبله إلى يومنا هذا، ولكنه ومع كل التضحيات والعذاب والتهجيرلم يستطع إيقاف الهجمة المقننة الشرسة التي كانت مدعومة ولا تزال من نفس القوى التي مكّنتْها من السيطرة على التراب الفلسطيني ، ومن الصمت والتواطؤ السرّي والمعلن ممن يدور في فلك هذه الدول، أحيانا مجبرا وأحيانا بحسن نية، وأحيانا أخرى خيانة وكفرا بواحا.

أدّعي هنا في هذه المراجعة بأن سبب الفشل الأهم هو أننا كشعب فلسطيني وتحت قياداته المختلفة أسسنا وبنينا كل توجهاتنا من مقاومة مسلحة إلى معاهدات ومفاوضات على فرضيات خاطئة ومضللة وموغلة في الجهل والسذاجة. سآتي على كل منها واحدة واحدة وسأنهي حديثي بالبديل الذي إن غاب عن الذهن فإنه لم يغب عن المنطق واستُبْعِد فقط لقِصرٍ في النظر، ولتفضيل حزمة من ردود الأفعال الغبيّة والتي في النهاية أدت بنا لما نحن عليه الآن.

ألفرضية الأولى منذ الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وخيانة بريطانيا وتنصلها من وعودها للعرب وتوفير السلاح لليهود وغض النظر عن الهجرة اليهودية لفلسطين قام الفلسطينيون بردّة فعل طبيعية بمقاومة الإحتلال بدعم عربي حددته ظروفهم السياسية وعلاقاتهم الدولية آنذاك. كانت ردة الفعل هذه مبنية على عدة مفاهيم كلها خاطئة أهمها:

الأمة العربية لن تفرّط في فلسطين وستقاوم الإحتلال بكل قوّتها

أليهود عبارة عن “شذّاذ آفاق” وانتصارهم مؤقت

“الثورة الشعبية” هي الإستراتيجية الأهم والتي يجب اتباعها لتحرير فلسطين

إن السلام حقيقة مكذوبةٌ*** والعدل فلسفة اللهيب الخابي

لا عدل إلا إن تعادلت القوى*** وتصادم الإرهاب بالإرهاب ( أبو القاسم ألشابي)

هذا كلام صحيح وصريح من شاعر ثائر، ولكن ما حدث على الأرض منذ وعد بلفور حتى الآن قضى على هذه الفرضية ومقوماتها الخالية من الموضوعية والواقعية.  فلم يكن لدى أي حاكم عربي أية خِـطّة لتحرير فلسطين لا من ضعف قبل الإستقلال ولا من قوة بعد الإستقلال. أقصى ما قدمه العرب تحت هذه الفرضية هو طرح حلول “للقضية الفلسطينية” وليس خطط للتحرير رغم المسميات الرنانة العاطفية أو البيان الثوري الأول بعد كل انقلاب. الدعم المادي الذي قدمته الدول الغنية للجهد العسكري الذي قامت عليه المقاومة كان لا يذكر عندما كان الخرق لا يزال صغيرا ورتقه ليس مستحيلا.  فقد كتب عبد القادر الحسيني لجامعة الدول العربية ليدعموه بالسلاح وتوسّل إليهم ألا يتخلوا عنه وعن جنوده “وهم في أوج انتصارهم في القسطل!”  أما الدعم الذي كان يصل لقيادات المقاومة الفلسطينية في السبعينات فكان غالبا لخدمة أهداف أخرى لدى الدافع والمدفوع له، ولم يكن تحرير فلسطين التراب الفلسطيني هدفا لأي فصيل.

 

ومن الناحية العسكرية بالذات فقد ضحّت الكوادر بأرواحها لهدف سامٍ يستحق التضحية واستشهد الآلاف في سبيل ذلك ولكن دماءهم ذهبت سدى بسبب الصراعات القيادية ايديولوجيا وماديا وولاءات موزّعة لدول شتىّ، وضبابية – بل غياب فظيع – حول أهداف الفصائل المقاتلة.  قارن ذلك بثورات وحركات تحرير أخرى مثل فيتنام! فقد قال الجنرال جياب لضيفه مكنمارا بعد أن وضعت الحرب أوزارها “كان لنا هدف واحد لم يتغير، إن كان تحت الفرنسيين أو معكم وهو إقامة دولة مستقلة موحّدة في كل فيتنام شمالا وجنوبا!” وأضاف في مكان آخر من مذكراته أن الثوار في الجنوب وقياداتهم كلها شمالا وجنوبا كانوا كلهم على قلب رجل واحد يلبسون نفس اللباس ويأكلون نفس الطعام. في المقابل لم يكن لدى الفلسطيني “هانوي” ولا الصين ولا روسيا والفدائي الذي كان يقع في أيدي حرس الحدود العربي غالبا ما كان يتم تسليمه لإسرائيل أو قتله. ولا أريد أن أنكأ الجراح بالتذكير في المآسي التي عاناها الشعب الفلسطيني منذ تسليم عملاء الإنجليز للقسام في أحراش يعبد،  لتفجير”البلفون” في وجه يحيى عياش، لمقتل قيادات فلسطينية على أرض عربية قديما وحديثا وعلى أرض أجنبية أكثر حداثة… لأصِلَ للعملاء التي لا تخلو منهم قرية ولا مسجد على أرض فلسطين…! “نرجو النجاة ولم نسلك مسالكها*** إن السفينة لا تجري على اليبس”

 

الفرضية الثانية وهي أن إسرائيل ترغب في التوصل إلى سلام دائم مع الفلسطينيين رغم عدم وجود أي مؤشر يدعم هذه الفرضية. فالقتل مستمر وبناء المستوطنات زاد أضعاف ما كان عليه قبل أوسلو (سلام الشجعان) والأسرى زاد عددهم عن عشرة آلاف معتقل بينهم أطفال ونساء – وأصبحوا مجرد عملة للمساومة – وبناء الجدار العازل وهدم البيوت وتبرئة القتلة  في المحاكم الإسرائيلية وحماية المستوطنين وهم يعيثون في القرى المجاورة فسادا وحرق سيارات ومحاصيل تحت أنظار الجيش الإسرائيلي… القبول بهذه الفرضية يعني عدم تصديق كل ما قامت عليه ومن أجله الصهيونية وكأنها خطوة لم تكن مقصودة أو “مزحة ثقيلة.” لو أن لدى إسرائيل ولو الحد الأدنى من حُسن النيَّه أوالرغبة الحقيقية في السلام لظهرت منهم – ولوسهوا-  بعض الأفعال التي تدل على ذلك، أوتشير إلى أننا يوما ما سنكون جيرانا متحابين….ولكن لم ير الشعب الفلسطيني إلا الدبابات وقنابل الفوسفور وقنابل الغاز والحواجز على الطرق والإهانات التي لم توفر أبدا عجوزا أو امرأة حاملا أو تلميذا.  فكيف يتم التصرف ولعشرات السنين من المفاوضات على أساس فرضية خرقاء مثل هذه التي لم يكن لها في الواقع أي أثر أو دليل؟

 

الفرضية الثالثة والتي يمكن اختصارها بما نشرته الوكالات مؤخرا عن الرئيس عباس أنه “علينا متابعة العيّار لباب الدار” وكأن كل ما ورد في اتفاقيات أوسلو وما سبق ذلك من قرارات دولية كله منسوخ وعلينا البدء من الصفر…أو أن ما على الفلسطينيين إلا أن “ينبذوا ألإرهاب” ويعترفوا بحق إسرائيل في العيش بسلام في حدود آمنة، وأن يبادروا بتغيير مناهج الدراسة وضبط – بل واعتقال وقتل إذا لزم الأمر – كل من يفكر بمقاومة الإحتلال، و يجب التعايش مع المستوطنين حتى وصل الحد أن يقتصر أذان الصلاة على صوت المؤذن العادي أي بدون سمّاعات للحفاظ على سعادتهم. أما إسرائيل فلا داعي لمطالبتها بشيء وليس مطلوب منها أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة ، ولا بحق عودة اللآجئين إلى بيوتهم وأراضيهم، ولا حتى بتعريف الحدود التي ستقبل بها ، وليس عليها إعادة النظر في مناهجها، وكأن كل ذلك لم يصل حد النصاب من السفاهة والإستحمار فالآن الطلب الجديد بأن على الفلسطينيين أن يعترفوا بأن إسرائيل دولة يهودية ، فإلى أين سيكنسون المليون ونصف فلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية؟ وأين ستكون الدولة الفلسطينية إذا بقيت القدس محتلة وبقي وادي الأردن محتل وبقيت المستوطنات تتنامى وتتمدد  (طبيعيا طبعا) على الأرض الفلسطينية وكل الموارد الطبيعية من ماء وغاز ونفط وهواء تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة؟ وعندما تقوم إسرائيل بترحيل عشرة مستوطنين أو إزالة حاجز تقوم الدنيا وترقص على وقع التضحيات التي قدمتها إسرائيل مقابل “التعنت” الفلسطيني.

 

ومما تبع هذه الفرضية الجوفاء من ذيول هو أنه إذا “تأدب” الشعب الفلسطيني وانصاع تماما لأوامر الخبراء الأمريكان حتى وصل الأمر أن يقوم ضباط المخابرات الأمريكية بتدريب أفراد الشرطة الفلسطينية على حفظ الأمن وعدم التدخل بالإحتلال والضرب بيد من حديد على من يحاول أن يقوم بأي عمل تفسره إسرائيل أنه عدواني “ولا يخدم عملية السلام!” ، إذا تم كل هذا – وقد تم فعلا بل زاد – فإن أمريكا ستنظر “بعين العطف” وتحاول إقناع إسرائيل ببعض الليونة في مواقفها وإبداء حسن النية بالإفراج عن عدد من الأسرى الذين إما أن يتم تصفيتهم لاحقا أو يعادوا الى المعتقل – سيّان إن كان ذلك في سجن من سجون السلطة “لحمايتهم طبعا” أو في سجن إسرائيلي.

 

هذه هي الفرضيات الثلاث التي (على ضوءها أوفي ظلمتها)  قادت سياسات كل القيادات الفلسطينية عبر تاريخ القضية الذي يشارف على المائة سنة من الصراع المستمر والدامي في تعاملها مع النكبة واللآجئين والقدس والأسرى والأرض والحدود والدولة….. استطاعت إسرائيل خلالها أن تبني دولة قوية عسكريا وعلميا واقتصاديا حتى أصبح يبدو لكل ذي عينين أن مصير العالم كله مرتبط بمصير إسرائيل وأن تكون أمريكا – وهي أقوى قوة ضاربة في الكرة الأرضية – أضعف من أن تعترض على أي شيئ تطرحه إسرائيل. مقابل ذلك هبطت قضية فلسطين على كل قوائم المهتمين بها – أو كنا نعتقد غباءً منا أنهم كانوا كذلك – إلى ما دون القاع بل أن الدول العربية تزداد إلحاحا ودفعا وضغطا على الفلسطينيين بأن ينهوا الصراع مع إسرائيل بأي ثمن… وكدنا نصدق…أو حتى صدّق الكثيرون منا “أنه بمجرد التوقيع والإستسلام سيكون كل شيء على ما نحب وسنكون بألف خير برعاية أمريكية ودولية وفي أحضان إخوتنا الذين سيحموننا وسيوفرون لنا عيشا كريما بطريقة أو بأخرى فهُم النشامى والأمجاد وأصحاب الكرم والنخوه والثراء، وما على الفلسطيني إلا أن يختار بإشارة من إصبعه للقطر العربي الذي يحب أن يكون مواطنا فيه ويحمل جواز سفره بكل فخر!”

 

أقول أننا نكاد نصدق هذا الهراء لولا قسوة الواقع وتجارب مائة سنة… وأنه مامن حكومة عربية واتتها الفرصة والمبرر الأعرج إلا وكان الفلسطيني أول ضحية (لثوراتها وحروبها الأهلية) حتى وصل الأحياء منهم إلى الهند وأمريكا اللاتينية أو ماتوا غرقا هربا بدماءهم وأعراضهم وأطفالهم من المذابح والتجويع والحصار. ولم أجد وصفا أدق لهذا المشهد من المأساة الفلسطينية مما قاله الشاعر مريد البرغوثي، ففي كل العالم على أرجائه:

“لكل مواطن حاكم ووحدك أنت محظي بعشرين من الحكام في عشرين عاصمة، فإذا أغضبت واحدهم أحلّ دماءك القانون ، وإن أرضيت واحدهم أحلّ دماءك الباقون!”

 

أللهم لا ملجأ منك (ومنهم) إلا إليك!

 

العمل حسب هذه الفرضيات وتفسيرنا الساذج أو القهري للحقائق أوصلنا لكل الأبواب المغلقة لأن الطريق تلو الطريق لم تكن لها صلة بالواقع ولا بالحقائق. فعلينا بعد أن استنفذنا كل الحيل البهلوانية ولم نستطع إخراج “الأرنب من القبعة” أن نقوم بشيئ جديد وأن نطرق طريقا لم نطرقه ليجوز لنا أن نتوقع نتائج مختلفة.

 

أولا: بجب علينا أن نعيد النظر في الفرضيات والمعطيات وتغييرها لتطابق الواقع وليس التمنّي.  وأول هذه الفرضيات التي تتماهى مع الواقع، و لكننا نصر على نكرانها أو التلطيف من حقيقتها، هي أن إسرائيل قامت على حلم صهيوني غايته القصوى والمعلنة منذ أن خططوا لطردنا “خيمة خيمة وعنزة عنزة” كما صرّحوا،  وإخلاء كل فلسطين الجغرافية من أهلها الأصليين من العرب وأن تعيش هذه الدولة مصونة الجانب تسيطر على المنطقة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وأن تظل في مأمن من التهديد الديمُغرافي بأن تكون دولة لليهود وحدهم.

 

إسرائيل تقيّم أداءها وأداء قادتها بمقدار قربهم والتزامهم بهذا الهدف وما يحققوه نحوه.  ألا ترى أن قياداتهم في انتخاباتهم يدرجون عدد المستوطنات التي بنيت في عهدهم و حجم التجارة السريّة مع العرب والترتيبات الأمنية وغير ذلك في أعلى قوائم إنجازاتهم؟

 

في مقابل ذلك وأمام إصرار إسرائيل على هذه الثوابت وما تحققه منها على الأرض، قامت القيادات الفلسطينية على اختلاف الأسماء والوجوه جيلا بعد جيل على المساومة والتنازلات والتراجع حتى عما كانوا يعتبرونه، أو بالأحرى يصرّحون به من الثوابت. فالتغيير المطلوب هو أن يقاس النجاح الفلسطيني بدرجة النجاح في إحباط الحلم الصهيوني وتحجيمه وتغيير مساره وإفشاله. وليس الرحلات المكوكية بين واشنطن وتل أبيب مرورا برام الله أحيانا، “لتطييب الخواطر.”

 

ثانيا: يجب بلورة هدف محدد ودقيق يجتمع حوله الناس على اختلاف أهوائهم وميولهم وهذا هو المشروع الوطني الحقيقي الذي ضاع خلال الثلاثين سنة الماضية من كسر البوصلة  واستغباء الشعب بالمفاوضات السرية وكأن هذا الشعب الذي شاب وهو في عز شبابه من هول ما حل ّ به من مصائب بحاجة الى وصيّ “يعرف مصلحته” أكثر منه فيذهب من وراء ظهره ليساوم على أرضه ومقدساته وكأنه شعب يتيم ولا يزال قاصر.إن التراجع المستمر عن الحقوق الفلسطينية بدون أية مرجعية قانونية أو دولية أو شعبية، والتنازل عن التراب الفلسطيني بين النهر والبحر الى حدود 1967، ناقص ما اقتطعه الجدار العنصري، ناقص الأغوار ووادي الأردن، ناقص المستوطنات الضخمة، ناقص حق العودة، ناقص القدس والمقدسات، لن يـُبقي للشعب الفلسطيني إلا ما يـُدفن فيه أو يكاد، و سيترتب عليه أن يكون كل الشعب الفلسطيني تحت  إدارة وزارة العمل والعمال الإسرائيلية كخدم وعمال في البلديات المبعثرة في تلال ووديان “يهودا والسامرة!”

 

هذه المتوالية الهندسية قضت على الوحدة الوطنية وفرقت بين أبناء الشعب الواحد ونقلت الصراع ضد الإحتلال إلى صراع داخلي. إن استعادة زمام المبادرة بالتوافق على وحدة الهدف وتفعيله في ضمائر الناس سيفجر طاقات هائلة عندالشعب ويختبر إبداعهم ويقضي على الحقد والكراهية بينهم ويعزز الثقة بين الناس وبين قادتهم مما يقوي الفريقين الحاكم والمحكوم في تسيير أمورهم ورعاية مصالح الوطن بدلا من استرضاء العدو أومجاملة الصديق والتوسل على أعتابهم.

 

ثالثا: هناك الآن نشاط  جيد ويحقق تقدما كل يوم على الجبهة الخارجية من خلال حركة “مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات” ويجب مؤازرته بالتوازي وذلك بالتحرك نحو تقوية الجبهة الداخلية وهي عامة الناس، أهل الوطن وحُماتُه وأبناءه وراء أسوار الوطن وفي الشتات، واستنهاضهم واحترامهم وفهم حاجاتهم، وردم الفجوات بين فئاتهم، ومساواتهم أمام القانون في الداخل وتحمل المسؤولية عنهم وأمام ممثليهم بكل شفافية وصدق وأمانة. هذا سيخلق الجو الملائم حتى رغم الفقر والإحتلال ليبدأ الفرد الفلسطيني باستعادة بعض كرامته المهدورة وأن يعود الفلاح إلى أرضه وأن نتمكن من الوصول الى مستويات أرفع وأعلى من الأخلاق والصدق في التعامل والإيثار والمسامحة مما سيدعم صمود الناس في أرضهم ووطنهم ويخلق فرص عمل ويحسن من التعليم ليؤهل خريجي الجامعات الفلسطينية للمنافسة بكفاءة في سوق العمل.

 

نحن شعب أبي قوي عنيد طموح نحب العدل ونفتقدالسلام ونستحق أن نعيش على أرضنا بحرية وكرامة وأمن. يجب أن يكون هدفنا الآن هو الثبات في الأرض والتركيز على كل ما يعـزّز هذا الإتجاه ومواجهة هذا التحدي بجعل ما بقي في أيدينا من فلسطين نموذجا يُحتذى به من الأخلاق والفضيلة والمساواة أمام القانون والتفاني في العمل وإتقانه والتميز في التعليم والشفافية وحرية التعبير والعدل بين الناس.إن قصّرنا بأن نفاخر “بشرائح الحاسوب بدلا من شرائح البطاطا” كما تندّر بنا توماس فريدمان الكاتب في نيويورك تايمز، صاحب المبادرة العربية (لحل الخلاف الإسرائيلي- الفلسطيني) فمن الممكن أن نفاخر بسمو أخلاقنا! ”

 

أنا لم آت بشيئ جديد فقد كتب عن ذلك المهندس الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي قبل أكثر من خمسين سنة، ونادى به أحمد شوقي قبل ذلك حينما قال” وليس بعامرٍ بنيان قوم*** إذا أخلاقهم كانت خرابا” ناهيك طبعا عن الإلحاح على مكارم الأخلاق في الإسلام، ولكن، فإنه كما يبدو لم تعد “قلة الأدب” تثير فينا أي قرف أو ردة فعل وهذا لا يبني وطن، ولا يسترجع مسلوب ولا يخلّص مغتصَب….فعلى الأقل لنمتثل بقول الشاعر:

 

لا خيل عندك تُهديها ولا مال*** فلْيُسْعد (الفعل) إن لم تسعد الحال.

 

يقول “غورباتشوف” في كتابه عن “البريسترويكا – إعادة البناء” ما معناه أن الإتحاد السوفياتي ما كان له أن يستمر في البقاء بسبب انهيار البنية الأخلاقية على كل المستويات وتعفن النسيج الإجتماعي بسبب تفشي الفساد و”طبخ السجلات والتقارير عن الإنتاج الزراعي والصناعي.”

 

وكتب إدوارد سعيد أنه يجب على الشعب الفلسطيني أن يتصدّر المكان الأسمى في الأخلاق والشفافية ومساءلة قياداته وتفعيل كل قواه في الصراع الدائر مع الصهيونية.  وتاريخيا، عندما كانت تفشل الدولة في إقامة الحد الأدنى من العدل والتوعية والتعليم، كان الشعب يأخذ زمام المبادرة ويقوم بما كان في الأصل من مسؤوليات الدولة، وأقرب مثال على هذا ما كان يجري في بلاد الشام في أواخر أيام الدولة العثمانية.

 

أنا أدعو كل فرد في كل حي في كل مخيم وكل قرية وكل مدينة أن يشعر بأنه المخاطب شخصيا وأن يكون مؤتمنا على قول الصدق وعلى الحرص على المال العام والخاص من حوله وعلى نظافة اليد واللسان والنية والشارع وأن ينشر الفضيلة ما أمكنه بأن يصبح القدوة لمن حوله بالفعل وليس بالموعظة. هل هناك من يعتبر هذا حجر عثرة في طريق تحرير فلسطين؟ أنا واثق بأن سلوكا كهذا لن يؤخر تحرير فلسطين ولو لثانية واحدة، وإذا لم نقم به وبقينا على ما نحن عليه فالقارئ لن يغيب عنه ما سيؤول إليه أمرنا، وما عليه إلا أن يقارن بين أخلاقيات المجتمع الفلسطيني قبل أوسلو مثلا وما هي عليه الآن ، فنحن لا نتكلم عن عهد الخلفاء الراشدين، فالإنهيار بدأ يتخذ تسارعا مرعبا.

 

فمن المسلّم به ،أنه يجب علينا والحال ما نحن عليه أن نطبق المثل الشعبي “إللي بتغلِبّو إلعبّو…”  وإلا فبماذا سنتفوق على أعدائنا إذن؟  إنهم تفوقوا علينا في التكنولوجيا وتبادل السلطات والعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص فيما بينهم؟ لا نستطيع ولا نريد أن نعادلهم صاروخا بصاروخ ودبابة بدبابة ولكننا والله لأقدر منهم على الصبر وعلى التضحية وعلى حب فلسطين، وعلى الإنخراط والإنفتاح على كل ما يخدم الإنسانية، وليس الإنكفاء وراء جدر في “جيتوهات” حديثة، والتسلط على مقدرات الشعوب وابتزازها من خلال البنوك والأسواق المالية، وبذر الكراهية والفساد في الإرض واستنفار الحقد والثأر والكراهية والعنصرية،  بالإدعاء بأن هذا اختيار الله لهم دون شعوب الإرض.

 

 من شروط التمكين في الأرض وشواهده في النفس وبين الناس إقامة قاعدة أخلاقية من الأوامر والنواهي والعدل والإيمان وهذا كفيل بأن يقضي على الفساد والعمالة  في داخل المجتمع الفلسطيني لأنها جراثيم لا تعشَّش إلا في القذارة…وبتحقيقه فإن العالم لن تطول غفلته أو غفوته عن الظلم الذي جرى علينا لمائة عام، وستعود القضية الى الحاضنة العربية التي تمر الآن في مخاض عسير ما بعده إلا الحرية وحكم القانون وهو ما يعيد فلسطين الى مرمى البصر وحقل الرؤيا ويضع الأمة بكاملها أمام مسؤوليتها التاريخية والدينية والأخلاقية وتثبيتها على طريق التحرير.

ألحياة… مسرحية تستوجب حضورك على خشبة المسرح في كل لحظة

بعد عقد زواجي بيومين تقريباً جاءني خاطر أني كنت شارد الذهن وقت ترديد الصيغة!! مستمع يسأل عن صحة زواجه

قتلني موضوع الشرود في الصلاة ، لا اتذكر صلاة واحدة اقطع انني حفظت تفكيري فيها من الشرود ، بدء من التكبير الى التسليم عن شبكة السراج

إذا كان كل ما في بالك وذهنك هو إما ذكرى من الماضي أو أمل فيما هوآت فماذا أبقيت لحاضرك؟ كيركيجارد – الفيلسوف الوجودي الدنمركي

   46أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور  الحج

تفكر ساعة خير من قيام ليلة  عن ابن عباس 

الفكرة أولا…

حدث هذا قبل أكثر من ثلاثين عاما ولكني لا أزال – من وقعه في نفسي – أذكره كما لو حدث أمس

تم الإعلان عن اقتراب موعد إقلاع الطائرة في رحلتها اليومية من مطار (ألبوكيركي) بولاية نيومكسيكو إلى مدينة (هبس) في أقصى جنوب الولاية ، فنهضت من مقعدي في الصالة أمام مكتب الطيران مباشرة وفي يدي المجلة التي كنت أقرأ فيها واتخذت موقعي في الطابور أمام البوابة التي لم تفتح بعد.  وطال علي الأمد في الطابور بانتظار أن يفتح الباب ونذهب نحو الطائرة فعدت للقراءة في المجلة واقفا، على يساري  شاب وراء مكتب شركة الطيران يتناقل أوراق وتذاكر ويلقي نظرة عاجلة نحو البوابة وعلى يميني ركاب في مقاعدهم بانتظار اقلاع طائراتهم نحو مدن أخرىبعد وقت لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم صحوت من “السرحة” فوجدت نفسي لا أزال في الطابور وفي نفس الموقع أمام مكتب الطيران ولكن بفارق بسيط وهو أنني الوحيد لا أمامي ولا خلفي يقف أحد،  فأخذتني حيرة لا قبل لي بها فهرعت نحو الشاب الذي لا يزال يضع اللمسات الأخيرة على ما أنجزه ذلك اليوم وسألته في البداية بهدوء فيما إذا تم استبدال البوابة ببوابة أخرى لطائرة “هبس” فأشارالى حيث كانت  تقف الطائرة وقال بلهجة العارف ” أنظر بسرعة قبل أن يختفي ذنبها، فقد أقلعت للتو بعد تأخير بسيط على المدرج…. ولكن لماذا تسأل؟”

!كل عزاءي كان في “مَكْرمة” بعشاء على حساب شركة الطيران

التفكر…والوعي…والحضور الذهني

ليس من الضروري أن تكون جرّاحا أو مفككا للألغام أو قافز مظلات لتدرك أهمية أن تكون واعيا تماما بما تصنع يداك أو بما يدور في ذهنك، فماذا عن قطع الشارع في زحمة بعد الظهر؟ أو كم مرة عليك إعادة قراءة نفس الصفحة في كتاب؟ أو التلذذ بما تأكل وتشرب أو إدراك ما يقع عليه بصرك أو تسمعه أذنك؟ جمال الغسق ، زهرة في جدار ، رائحة قهوة تحت التحميص ، ابتسامة طفل فقد “سن الحليب الأمامي” ، أو جلستك الآن بثقلك على الكرسي ووضع قدميك تحت مكتبك …..؟

  وبالمناسبة هذا “السرحان” والعيش في اللاوعي من ماضي انقضى أو مستقبل في عالم الغيب والتضحية بيقين الحاضر ليس حكرا على شعب أو لون أو دين. من بين المسلسلات الأمريكية في حقبة الستينيات والسبعينيات كان المسلسل العائلي “المتزوجون الجدد.”  في حلقة منه عرض عريف المسلسل تقديم جائزة ثمينة وكانت عبارة عن مطبخ متكامل من الكهربائيات لأي زوج ممن مضى على زواجهم أكثر من 10 سنوات أن يجيب عن السؤال مباشرة على المسرح : “ماذا تقول في لون عيني !زوجتك؟” وفاز بالمطبخ إثنان فقط من 15 ممن تقدموا للمسابقة!

لا تشغل البال بماضي الزمان”

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذّاته

فليس في طبع الليالي الأمان

*****

“لا توحش النفس بخوف الظنون** واغنم من الحاضر أمن اليقين

“فقد تساوى في الثرى راحل** غدا وماضٍ من ألوف السنين” (من رباعيات الخيام – ترجمة أحمد رامي

يعتقد كثيرون أن التفكر أو التأمل ممارسة  يحتكرها الهنود والبوذيون وليست من الدين الحنيف في شيء، رغم ان القرآن والسنّه وما كتب العلماء تحض على حضور الذهن والخشوع في الصلاة وفي كل العبادات، بل تتعدى ذلك في طرحها الى أهمية بل ضرورة حضور القلب والوجدان بصفاء النّـيـّة قبل القيام بالفعل حتى في أشد اللحظات حميمية وغرائزية! وأكاد أضيف أن المدرسة الإسلامية أثـْرت طريقة التأمل والتفكر من بدائيتها الى السمو بها فكريا وعمليا كما سأشرح بعد قليل.

التفكر أو التأمل هو باختصار العيش في اللحظة الحالية والوعي بما تدركه الحواس فرادى ومجتمعة لإعطاء الدماغ فسحة من “التقاط الأنفاس” واسترجاع زمام المبادرة التي سطت عليها واختطفتها “خيول العواطف الجامحة” التي تمكنت من تقييد الدماغ وعمليات العقل المنوطة به لتظل تدور كالحمار حول الساقية من ماضي تؤججه الذكريات أو مستقبل ينهكه القلق وتنهشه الوساوس. التأمل يفك القيد فيقف العقل عن التعقل للحظات تتيح له أن يمسك بعنان العواطف الطاغية من جديد،  أوكالطائر الذي ما انفك يضرب جدران القفص بجناحيه حتى أثخنته الجراح والآن يقف على الفنن المصطنع المعلق في القفص، يسدل جناحيه المهيضتين ويستجمع قواه وحواسه ووعيه بما حوله ليعود تدريجيا لطبيعته ووحدته مع الكون ومقوماته وإيقاع موسيقاه.

أليس من الروعة أدقها ومن الجمال أعمقه ومن الوحدة أكملها أن تكون على نفس النغمة مع الكون على سعته ومع شهيق وزفير مخلوقاته؟ “وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم” (الإسراء-44).  “ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ” (ألأنعام 38).

  وإني إخال أنه مما قصد في الحديث القدسي هو هذا التقرب للخالق بالتأمل في خلقه وصنعته وعظمته وجميل صفاته وهذه الوحدة مع الكون وإيقاع حركته في مدارات مجراته فمن الحديث ”  وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافلحتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر فيه ، ويده التي يبطش بها ،ورجله التي يمشي بها  ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه

العبرة في التطبيق

سأقفز فوق الديباجة حول فائدة التفكر وحضور الذهن وما ثبت منها علميا حتى أصبحت من الممارسات الشائعة في كثير من المصحات والعيادات حتى وصل ذلك إلى بعض شركات التأمين التي تقوم بتخفيض سعر تكاليف التأمين لكل من يمارس التأمل، تماما كالنسبة التي تعطيها لمن لا يتعاطى التدخين أو اية عقاقير… وسأدرج هنا بصورة مبسطة وعملية وفعالة والتجربة خير برهان:

  1.   اختر مجلسا مريحا وأغلق مصادر الإزعاج والمقاطعة ما استطعت الى ذلك سبيلا وتوخى نفس المكان والزمان في كل مرة.  بعد صلاة معينة إن كنت من المصلين أو بعد ممارسة الرياضة مثلا إن كان ذلك أنسب.
  2.   ابدأ بتنظيم تنفسك بصورة واعية وطبيعية بالبدء على التدريب بالتنفس من تحت الحجاب الحاجز وليس من الصدر فستبدأ بملاحظة صعود وهبوط البطن مع الشهيق والزفير.  حافظ على حضورك الذهني مع كل شهيق وزفير.
  3.   حالما استقر بك هذا الحضور الذهني لبضع دقائق حاول أن تعي ما بك وما حولك في اللحظة الآنية: ثقلك على الأرض أو على الكرسي، أية أصوات من حولك، أية رائحة ، ملمس المقعد، أغلق عينيك بخفة، توخى الوعي التام ببدنك وارصد كل محاولة من عقلك التسلل لوعيك هذا بذكرى مؤلمة أو مهمة تنوي القيام بها أو قلق حول أمر من أمور الدنيا….ودافعها بلطف دونما تقييم أو حكم عليها بالصح أو الخطأ، بالحلال أو الحرام، فقط عش هذه اللحظة بكل حواسك ودع طائر روح سترخي بجناحيه لدقائق فقط دونما نكد أو خوف أو تثمين….فقط “كن” في اللحظة… لحظة تتبعها لحظة… لا أكثر ولا أقليييي
  4.   قم بهذه “الجلسات” مرتين في اليوم وابدأ بثواني فقط وتدريجيا حتى تصل الى بضع دقائق حتى تصل الى عشر دقائق أو عشرين دقيقة….وإذا غلبك النوم فهو ربما بسبب استرخاء ودعوة من الجسد للراحة التي من المحتمل أن تنكرت لها أو بالحاجة لها، فدافعها باستحضار وعيك مجددا والعودة بملاحظة رتابة تنفسك مع الشهيق والزفير.
  5.   العمل على تربية النفس وملكة الوعي على ملاحظة ما يدور حولك في كل لحظة: أنظر الى السماء ولونها وهل هي غائمة أو صافية بعد أن تضع أكياس الخضروات في المقعد الخلفي مثلا.  هل لاحظت الخدش في ركبة طفلك؟  هل رأيت القميص الجديد على زميلك في العمل في المكعب المقابل لمكعبك في المكتب؟ هل وعيت ملمس التفاحة قبل قطعها أو شممت رائت لبها؟  أنظر الى بذرة من بذورها، ضعها في راحة يدك واستحضر في ذهنك كل المعلومات المخزّنة في جوف هذه البذرة من لون وطعم ونكهة ستورثها في التفاحة المقبلة لو زرعت! الماء…. الكهرباء…. الهواء….فهم ما يقوله لك حسن أو علي…فإن أكثر ما يحب أحدنا أن بجد الأهتمام بما يقوله وسماع اسمه وإعادة بعض كلماته للتدليل على الإهتمام به…..

هذا كل ما في الأمر…. الوعي بوجودك في المكان والزمان والتواصل بهذا الكون وبمبدع هذا الكون والتأمل في جميل صنعه والشكر عليه….هذه صلاة وعبادة تمارسها في شربة ماء، في ابتسامتك في وجه أخيك، في وعيك بصحتك وشبابك…

 “فترى الكون في حبة رمل…. والجنة في زهرة بريّة

(أمسك في راحتيك الأزل…. وفي ساعة واحدة – ألأبديّه” (وليام بليك – ترجمتي

(8 والأخير)”وقل اعملوا…..”

Sailing boat

“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا” (ألكهف 30)

“سلحفاة على بُطئها تصل آخر الحقل إذا أطلت برأسها ومشت ولكن أرنبا  له سرعة البرق لا يغادر جحره خوفا وجزعا”

“حل جيد وسريع في الوقت المناسب خير من حل مميّز يأتي بعد فوات الأوان”

“لا تضيّع عمرك في التسديد على هدفك…أطلقِ السّهمَ وسدّدْ بعده!”

مَــدْخل

“القراءة الرشيدة” كان إسم الكتاب المقرر لتعليم القراءة للصفوف الإبتدائية في الخمسينيات، وكان المسلسل غني بالقصص القصيرة ذات المعنى والحكمة والميسرة لتسهيل الفهم. إحدى القصص – وكثير من القراء لا بد أن سمع بها – كانت عن رجل صاحب أحلام كبيرة وعريضة وعنده جرة عسل يعلقها من حبل على الحائط حيث يجلس فوق رأسه.  وفي ذات يوم على عادته جلس يعدّد ويخطط للمال الذي سيجنيه إذا باع العسل في السوق واشترى بثمنه بقرة،  والبقرة ولدت عجولا وصار عنده قطيع من البقر وتزوج أجمل امرأة على غناه فولدت له ولدا فأخذ يحدث نفسه بأمثل الطرق في تربية الولد ليكون على شاكلته عصاميا مخططا بارعا ولكن إذا لم يعمل بنصيحته وحسب أوامره “فالعصا من الجنّة” فسيضربه ضربا غير مبرّح – طبعا – ليعطيه درسا فحسب…. ومن اغـْرِوْراقِه في الخيال رفع عصاه التي كانت بجانبه ليضرب به ولده العاق فضرب الجرة وسال العسل فوق رأسه… وضاع الحلم ولمّا يبرحَ مكانه!

Abandoned boat

درهم فعل أنفع من طـُن تنظير

هذا القسم الأخير من مسلسل المدونات عن الحلم والخطى لتحقيقه والذي يركز على الفعل وعلى الحركة وعلى وضع التنفيذ مكان التنظير فقد “كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.” وكما قال أبو الطيب (أو قيل أنه قال): إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة*** فإن فساد الرأي أن تترددا. ولتفادي الإعادة والإجترار التي تقود إلى الملل ، سأفترض أنه تم اكتشافك لحلمك ولسبب وجودك على هذا الكوكب ولديك الآن صورة حيّة لوضعك عندما تحقق هذا الحلم، وقيّمت كل المهارات التي لديك والتي ليست لديك ولكنها على مرآى منك وفي مرمى سهامك، وأنك على قناعة تامة بالحافز وراء حلمك، وثمّنت كل مواردك، والآن ستبدأ بالعمل وبالحركة وباتخاذ الخطوات الأولى على الطريق… فهل أنت مستعد لتنطلق خارج مدارك الذي قيدك سنين؟ هل أنت جاهز لترى ما وراء حواجز الخوف وما بعد الأفق؟ هل فعلا لديك حلم يستحق العناء أم أنه أضغاث أحلام وفراشات رغبات لا اتجاه لها ولا لب؟ أنت الآن أمام نفسك لا رقيب عليك ولا يعلم ما في نفسك إلا بارئها.  أنت السفينة الراسية في الميناء فهل ستـُبحرفترى بحارا بأمواج غلاظ ومرافئ في بلاد لم ترها من قبل أم ستظل في مرفأك يتكاثر حول مرساك المحار والطحالب حتى لا تعود تقدرعلى تحريك الدفّة بعد حين؟ هذا قرارك أنت فاتخذه الآن وليس غدا.  فأين تبدأ إذا نويت السفر؟

* تخلّص أولا من أعباء ما حمّلتك به الأيام من أثقال عاطفية وخيبات أمل أو غدر أو سوء معاملة أو سوء ظن فليس لديك بعد الآن متسع من الوقت أو الطاقة أو المكان لمثل هذه الأشياء. إرحل خفيفا!

* كن شاكرا لما بين يديك وما أنت عليه، فبالشكر تدوم النعم “ولئن شكرتم لأزيدنكم” يجمع علماء النفس على أن الشكر بوعي وبحضور ذهني هو أسرع وأنجع وسيلة للتغلب على حالات اليأس والغضب والندم. وهو الطريقة المثلى لاستعادة الشعور بالسكينة وراحة النفس وجذب الخير. التنكر لما ننعم به – وهو لا شك كثير – يحصرنا في جو من “الندرة” والشّح ويغلق علينا باب كل جميل.  ألشكر يضعنا في فضاء أوسع ليستوعب ما نحن بحاجة إليه لأننا بالشكر نفتح الباب له ونرحب به! ألشكر- عنما يصبع عادة راسخة –  يفعل الأعاجيب.  فابدأ يومك وفي دقائق قليلة بالشكر على ثلاثة أشياء أو ثلاث أصدقاء أو اختر ما تريد أن تعبر بالشكر عليه.

*  تخلّص من العادات السيئة السلبية التي لم تعد تتماشى مع برنامجك وأهدافك وحلمك الكبير. فإذا لم تـُغير أي شيئ فلا شيئ سيتغـيـّر! غير موعد نومك وموعد استيقاظك، غير توزيع طاقاتك قبل أوقاتك، قليلا قليلا ، عادة عادة، خطوة خطوة ستجد نفسك في وقت قياسي قد استعدت الثقة بنفسك وبقدراتك.

*  التحق فورا بدورات تشحذ من خلالها مهاراتك وإذا كنت كاتبا فاكتب وإذا كنت تاجرا فتاجر وإذا كنت موسيقيا فالعب على أوتارك. لا تنس الجمع بين المهارات “الناعمة” من لغات التواصل وحسن الإستماع والإصغاء والمهارات المهنية من حاسوب إلى تطوير في مهنتك لتصبح بين ال5% العليا في كل ما تقوم به. وإذا كنت “غريبا كالمسيح بين اليهود” كما قال المتنبي فاستهدف أن تكون بين ال1% فإنك إن لم تتميز بكفاءاتك وآداءك فلن يميزوك فغيرك “أرخص” أو من ذوي القربى. قم بأكثر مما هو مطلوب منك وتوخى وتوقّع أقل مما تستحق. كن كريما في كل ما تعمل وفيما تعطي. “واتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن” (حديث شريف عن أبي ذر)

*  جدّد ملف عناوينك و”البزنس كاردس” فأعد الإتصال بمن نأيت عنهم أو نأوْا عنك إذا كانوا عونا لك أو أنت عونا لهم وباعد بينك وبين “المثبطين، المبعثرين للطاقة والوقت”

*  اجعل لك علامات على الطريق للدلالة على تقدمك ووجهتك وليكن مثلك مثل “الطوربيد” الذي يحافظ على وجهته رغم المعوقات من رياح أو موج بما أودع  في داخله من برمجة وتعليمات دقيقة بالهدف بعدا وموقعا. من اكبر الكوابح للتقدم ولغرس اليأس في النفس عدم وجود أي رجع أو صدى لأفعالك وكأنها تضيع في المدى الواسع أو تختفي في أحد الثقوب السوداء. فجد صديقا صدوقا يدلك على صوابك وخطأك بنفس الحماس ونفس الجرأة.

سأنهي هذا المشوار عن الهدف وتحقيقه بالإشارة إلى أهم الأعذار التي نتورع بها لتبرير فشلنا ولفلسفة عجزنا ولإلقاء اللوم على غيرنا فلنتبرأ منها الآن وإلا ستطاردنا حتى نهلك فيأكلنا الندم كما تأكل الضبع الظبي المنهك:

#  “فش حظ…. واللي ما له حظ لا يتعب ولا يشقى”  فنم ليلك ونهارك “فما فاز إلا النوّم!”

# ” الرزق أقسام والله هو الرزاق….وأنا كما ترى….” يقول هذا ولم يمض على اعترافه بأنه لم يعمل شيئ مطلقا منذ 18 سنة منذ أن تم إغلاق المصنع في ….. ونسي قوله تعالى “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها” أو قوله  “وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها...” و لكنه لم يرد مغادرة الشجرة والراحة في ظلها “كالطير تغدو خماصا وتعود بطانا”

#  ” النجاح يحتاج لذكاء خارق وأنا مجرد “إنسان عادي” لا موهبة ولا والد متعلم وزوجتي “شغلتها وعملتها ألله وكيلك المَـشْوَرة عالمول! والأولاد كثروا….”

#  ” الناس اللي مثل هذول” (يقصد الذين نجحوا) عندهم عقد نفسية أو مجانين وغير اجتماعيين و”بصراحة لا يمكن أقبل لنفسي أكون منهم!”

# ” الناس الطيبون” عندهم اعتدال في كل شيئ “مش شغل ليل نهار” ولا “تعلق لحد الجنون” بكذا كذا…. فيستوي عند هؤلاء “الإهتمام بالشيئ” و”الإنغماس أو لإفراط في حبه” كمن يطلب الزواج من “منية النفس” بقوله لها أو له “أنا الحقيقة مهتم جدا بك….” بدلا من ” إذا طاف قلبي حولها جُنّ شوقه *** كذلك يطفي الغلّة المنهل العذبُ”

#  وأريد القارئ أن يتصور هذا المشهد للعبرة: يوما ما يأتي أحد أطفالك فيقول لك ” بابا /ماما أنا أريد أن أكون لاعب تنس عندما أكبر…. هذا حلمي” فماذا ستقول له او لها؟ لا أنت ستكون طبيب / مهندس / فيزيائي / كيميائي / مطرب….. إملأ الفراغ كما شئت أو ربما ستسرح قليلا في السقف أو في عيني طفلك وتستحضر الماضي فتقول له: “أنا أيضا كان لدي حلم كبير كبير كبير….” فيسألك “وماذا جرى يا بابا / با بوي / يا زلمي؟” فتقول مشيحا بوجهك عنه….”لقد ولدتَ!”

وهاهي عواقب التكاسل أو الإهمال في تحري هذه المقومات والقواعد والتمكن منها :

snail on the road

غياب هدف واضح يورث الضلال والحيرة

غياب المهارات اللازمة يورث القلق ويعكر صفو الحياة

غياب الحافز يبطئ الوصول ويورث اليأس من تحقيق الهدف

غياب الموارد والدعم يخلق خيبة الأمل والعجزويولد الحقد والحسد

غياب الفعل والمثابرة وبذل الجهد يحوّلُ أعظم هدف إلى مجرد وهم وخيال وسَرَحان

وغياب أي رجع أو صدى لما تفعل هو مضيعة الدرس والعبرة وخسارة للمعرفة والتجربة

 وختاما أدعوك للتوقف عن القراءة والبدء بالعمل وبالفعل فما استعصى على قوم منال*** إذا الإقدام كان لهم ركابا

Go Button

وإذا كنت تود طرح أسئلة أو نقاش أو مشورة فاتصل بي بكل ثقة بالحفاظ على خصوصيتك على:

Jamal.barghouti@gmail,.com  

(7) كيف تمت قيادة المركبة الفضائية “مير” بالإبهام والرياضيات

“يجب علي أن أكون مستهلَكا تماما ولم يعد لدي أي شيئ يستفاد منه عندما أموت!” برنارد شو

“حتى لولم تقدر على أفعال عظيمة، فافعل أشياء صغيرة بطريقة عظيمة” نابليون هل

“بغض النظر عما تنوي القيام به … قم به من قلب ورب وبمشاعر صادقة فياضة وحماس” يوجي برا

“ليس النقص في الموارد هو المشكلة ولكنه النقص في اكتشافها واستخدامها بمهارة ودهاء” توني روبنز

Ladders

عندما ارتطمت مركبة التموين (بروجرس التي تزن 7 طن) بسفينة الفضاء (مير) في 1997 تعطلت كل القياسات التي يعتمد عليها ليس فقط في حركة المركبة،  ولكن الطاقم لم يعد يدري بأي اتجاه تتحرك المركبة للمحافظة على وصول أشعة الشمس لتوليد الطاقة اللآزمة لتشغيل المعدات والحواسيب ووسائل الإتصال مع الأرض. وفي حالة التوتر التي أعقبت التصادم بين الكابسولات وانخفاض الضغط في القمرة وتسرب الهواء ومغادرة أعضاء الطاقم الأربعة بأقصى سرعة للمركبة الأم، نسي (مايكل فاولي) الحاسوب وبرامجه في تلك القمرة. فعندما تطلب الأمر إعادة برمجة حركة المركبة كان عليهم الإعتماد على ما بين أيديهم من خبرات في الفيزياء والميكانيكا والرياضيات…. بالإضافة الى قلم رصاص وورقة.

يقول (مايكل) أنه كان يقف أمام أحد النوافذ ويرصد أي نجم ويبحث عن القمر ويستعمل إبهامه أمام القمر ويقيس سرعة حركته وبأي اتجاه والمسافة التي قطعها (وكانت درجة ونصف في الثانية) ثم يجري حساباته في الظلام ليعرف بأي اتجاه ستكون الشمس بعد دقائق أو ساعات لينقل كل ذلك الى قبطان المركبة الذي عليه أن يطلق نفاثات معينه ليضع المركبة في المدار الصحيح.  واستمر هذا العمل المرهق لأكثر من ثلاثين ساعة تخلل ذلك فقدان أدوات وهبوط ضغط وانقطاع تيار وخراب حاسوب ، علما أن الحواسيب التي كانت على (مير) في التسعينيات من جيل حاسوب الستينيات فكانت بطيئة جدا وتحتاج الى تبريد متواصل الى غير ذلك من تحديات.

وتحت تلك الظروف وعلى بعد آلاف الأميال من كوكب الأرض وب”موارد” بدائية استطاع الفريق إنقاذ حياة أعضاء الطاقم  العشرة وإنقاذ “مير” وما التصق بها من كابسولات وأصلحوا كل ما نتج من التصادم بين الكابسولات وتم تغيير بعض أعضاء الطاقم بأعضاء جدد وعاد القدامى ممن قضوا 4-6 أشهر في الفضاء الى أهلهم وأوطانهم سالمين.

يقول (مايكل) أن أسعد لحظات حياته كانت عندما خرج الى الفضاء الفسيح خارج المركبة الفضائبة ورأى كوكب الأرض الأم فلم يستطع حبس دموعه من الفرح رغم أنه  كان في وضع حرج جدا يحاول تصليح شروخ في المركبة، ولعدم وجود جاذبية كانت البراغي والمفكات تغادره سابحة كما تشاء وبدلا من أن تتورم قدماه من الأسفل تورمتا من الأعلى لأنه كان عليه أن يعتمد عليهما لتثبيت نفسه في درجات السلالم في الصعود والهبوط وإلا كان سيطفو إلى أعلى!

توقف عن سرْد الأعذار… ونوّر أينما وجدت نفسك!

 Bloom a yellow flower_400

“لاتقل لي : ليتني بائع خبز في الجزائر،لأغني مع ثائر
لاتقل لي : ليتني عامل مقهى في هفانا،لأغني لانتصارات الحزانى
يا صديقي ! لن يصب النيل في الفولغا، ولا الكونغو ،  ولا الأردن ، في نهر الفرات
كل نهر ، وله نبع ..ومجرى ..وحياة
ياصديقي !..أرضنا ليست بعاقر،كل أرض ، ولها ميلادها، كل فجر وله موعد ثائر”
(محمود درويش)

الصورة العامة…في بداية الثورة الصناعية وما قبلها اعتمدت المصانع البدائية على الأخشاب بقطع الأشجار لتوليد الطاقة والحرارة فلما أصبح هذا المورد مهدد بالإستنزاف تحول العالم الى الفحم الحجري وعندما فطن الناس للتلوث وصعوبة استخراجه ونقله تحولوا الى النفط وعندما بدأت بوادر نضوبه تدق الأبواب ركزت الصناعة جهودها على الغاز الطبيعي الأقل تلويثا والأسهل نقلا واستعمالا… والسعي حثيث الآن لإيجاد مصادر بديلة للغازوللطاقة بشكل عام  أضمن وأنظف وأقل تكلفة.

آرنولد توينبي المؤرخ البريطاني ( 1889-1975) صاحب كتاب من 12 مجلد “دراسة في التاريخ” طرح نظرية “التحدي والإستجابة” لولادة الحضارات وموتها فقال باختصار أن المجتمعات الإنسانية التى واجهت تحديات كبيرة من ناحية الطبيعة والمناخ والموارد وواجهتها بكفاءة نمت وترعرعت الى أن فقدت قدرتها على التعامل الفعال لتحدياتها فهرمت وماتت ، وأمثلة ذلك الحضارة اليونانية والرومانية والعربية الإسلامية .  أما المجتمعات التي تنعمت برغد الحياة والموارد ولم يكن عليها أن تكافح للعيش ضد تحديات طبيعية أو انسانية مثل جزر هاواي وغيرها في المحيط الهادئ،  والمجتمعات التي واجهت تحديات أعظم من مقدراتها وفشلت في مواجهتها لم  تقم بها حضارات أبدا مثل ألاسكا وسيبيريا وجزر مثل جرينلاند إذا ما قورنت بجزر أيسلندا التي قامت عليها حضارة لا بأس بها.

 ولكن ماذا يعني هذا الكلام لك أنت القارئ وأنت القارئة؟

متابعة لما طرحته هنا في المدونات الستة السابقة أرجو القارئ أن يتابع الفكرة معي إلى آخرها، فلنفترض أن الحلم والرغبة الطاغية في تحقيقه والمهارات المطلوبة والحافز الملتهب كلها متآزرة متآلفة ولا يشوبها لا الشك ولا الغموض فإن “الموارد” اللآزمة لتحقيق الهدف المنشود تفرض نفسها على الذهن وعلى الوجدان وكثير من الذين صمدوا حتى هذه الخطوة على الطريق تجدهم يقفون حيارى ويبدؤون بعملية لا يقل وصفها عن “إبداعية” في خلق الأعذار للعجز والتسويف والتراجع عن الهدف.

“كانت في متناول اليد وكل ما كنا بحاجة اليه هو……” إملأ الفراغ بمبلغ كذا وكذا أو مكان كذا أو لو فلان أعطانا كذا …. الى آخر الصفحة ولكن الحقيقة تختفي وراء هذا الطوفان من الأعذار لأن “الوهن” يكون في الصميم وفي الهدف وفي الحافز الأساسي وعمق الأيمان بأحقية صاحبه في الحصول عليه وليست قضية موارد. فيما يلي سرد لمصادر الدعم بشتى أنواعها التي يمكن أن تكون تحت بصرك وبين يديك، ولكني سأقفز فوق البديهيات التي يشترك فيها معظم الناس من دعم مادي للقيام بمشروع الى العثور على مكان مناسب، متجرا ، مزرعة ، أو ملعبا.  سأركّز في عجالة على الموارد التي غالبا ما تغيب عن الذهن تحت وطأة السرعة والقلق والرهبة من قيام عمل ما.  وهناك موارد وهناك النقيض لها ويجب التعامل بنفس الجدية مع كليهما:

المكان والزمان: شاب في كامل عافيته يقضي أكثر من عشرين سنة في إحدى المدن الأمريكية الكبرى بجامعاتها ومصانعها ومعاهدها التكنولوجية ويعود تاركا وراءه حتى خفي حنين! ويشكو البطالة ليل نهار! كل الموارد كانت متاحة له ولكنه لم يأبه بها.  وماذا عن العمر الغض والطاقة الفائضة في ذاك العمر؟ أليست هذه موارد يتمناها كل محروم منها؟ والتقيت منذ أعوام بشاب على مقهى وكانت خلال ليالي رمضان ، وكانت طاولته خالية إلا منه فدعانا بأدب جم للجلوس معه فجلسنا وتبادلنا الحديث في أمور شتى.  فقال أنه يأتي لهذا المقهى كل يوم بعد الدوام في حوالي الخامسة مساء ولا يبرحه إلا بعد أن يبدأ بقفل أبوابه عند منتصف الليل. سبع ساعات كل يوم لا كتاب ولا حاسسوب ولا جليس.  “إن الشباب والفراغ والجده*** مفسدة للمرء أي مفسدة” (أبو العتاهية)

الجغرافيا والزمان والمكان تخفي فرصا هائلة لمن “ينكش” تحت السطح حتى في سجون عتاة يمنع فيها الكتب وأية أدوات ترفيهية أو تعليمية أخرى ولكن ذلك لم تحل الضابط ألأسير في الحرب الكورية من ممارسة اللعب على البيانو ذهنيا ست ساعات يوميا فلما تم الإفراج عنه بعد سبع سنوات لم تشب مهارته أية ترهلات ولم ينتقص السجن منها شيئ بل استطاع أن يشحذها ويطورها.

العلاقات والتواصل : النشاط المهني والإجتماعي والمشاركة في الندوات والدورات والعمل التطوعي تضاعف رصيدك من موارد “فالغداء منفردا فرصة ضائعة” فالنصيحة بأن “تهادوا وتزاوروا” نصيحة فعالة وتفتح آفاقا واسعة.

التكنولوجيا الحديثة: هذه فرصة من يضيعها فلا يلومنّ إلا نفسه وقد أدرجت في مدونة سابقة روابط لمصادر للتعليم والتدريب وتطوير الذات

التفرُّغ والتركيز على الهدف: يمكن لهذا العامل أن يعوض غياب العوامل الأخرى فقليل منا عنده الإستعداد أن يعطي ما يستحقه الهدف من جهد وتركيز كالذي يقود السيارة وفي فمه سيجارة وعلى أذنه تلفون فهي مسألة وقت “وحظ” قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه.  ولكن الأهم من هذا هو أن يتخلص صاحب الحلم الكبير من كل شيئ يعكر صفو قلبه وعقله من ذكريات سلبيه، أو أخطاء، أو ضغائن، أو مثبطات من الخوف والتردد.  فكما لا نحب ولا نقوم  بالذهاب للسينما لرؤية فلم سيئ  مرة ثانية أو ثالثة أو الجلوس على التلفاز لمطالعة مسلسل رديئ لبلة بعد ليلة ، فعلينا كذلك ألا نضيع الوقت أو الطاقة في استحضار ذكريات ومناظر للفشل او للألم أو للخوف أو للحزن ونركز على كل ما يساهم في التقدم نحو الهدف المنشود.

هذه الموارد وغيرها كفيلة إذا استخدمت جيدا وبمهارة وبدهاء أن تحقق الهدف فليس بينك وبين هدفك الآن إلا خطة للعمل على تطبيق هذا البرنامج ووضع بنوده موضع التنفيذ لتقطف ثمار جهدك ولو بعد حين. وهذا موضوع القسم التالي.

يتبع ………………..

(6) الدائرة الذهبية و جوابك على سؤال “لماذا”!

حُسْن النيّة لا يحقق هدفا ولا يوصل لنتيجة إن لم يلازمه حافز مؤثر ومثير.

إن من أهم ما ينجزه إنسان في لحظة ما هو أن يتخلى عما هو عليه ليصبح على ما هو قادر أن يكون عليه

أنا على استعداد دائما أن أتحمل الفشل ولكنني لا أستطيع أن أتحمل الندم على “عدم المحاولة” (مايكل جوردن – من نجوم كرة السلة)

أثناء المشي في الغابة جئت على طريق ذي شعبتين فأخذت الطريق الأقل استعمالا…. وذلك غيّر حياتي كلها (الشاعر روبرت فروست)

الدائرة الذهبية

paint2

مــدخــل

يبدو أن الفرق بين الفشل والنجاح في التجارة أو الصناعة أو السياسة أو الحلم لتحقيق الذات ليس الدعم المادي وراء أي من هذه ولا مستوى الجودة في التصنيع ولا الشهادة الجامعية لدى صاحب المشروع بل شيئ أعمق وأدق في دماغ الأنسان.  والدليل على ذلك يأتي من “أبل” ومنتجاتها من ألآي فون والآي باد…ومن رواد الطيران “ويلبر وأورفيل رايت” ومن حركة “مارتن لوثر كنج” والعامل المشترك بين كل هؤلاء وغيرهم هو هذا “الحافز الداخلي” الذي يقف وراء السبب لتطوير حلم ما والسعي نحو تحقيق هدف ما، والإيمان به ، والذي يبرر وجود شركة ما، والدافع وراء القفز من السرير كل صباح… بل كل هذه وأكثر.  فالنجاح يبدأ من الأعماق ويتمدد الى الخارج نحو الطريقة أو الأسلوب او الإستراتيجية المطلوبة وأخيرا نحو إنتاج شيئ يعبر عما حدث عند انطلاقة الشرارة الأولى ويحقق الصورة التي ترسخت في الوجدان على ضوء تلك الشرارة.

ألخطوة الثالثة

الآن وقد اكتشفت نجمك الساطع وماذا تريد أن تفعل لتجعل هذا العالم أفضل حالا مما وجدته عليه –على الأقل عالمك الصغير – وتصورت كل ما تصبو إليه بعين الواثق وبخيال يقارب الواقع،  ونثرت كنانة مهاراتك بين يديك وعجمت عيدانها فوجدتها صلبة والآن السؤال الذي يلوح في الأفق أمام ناظريك وعلى مسمع من خفقان قلبك هو “لماذا؟” ألِمَغـْرمٍ أم لثأر أم لإشباع حاجة آنية أم لهدف أعظم من وعاء تحشوه فيه، يفيض كثيرا على جانبي “الشحطة” التي تفصل بين تاريخين، يوم أن دخلت ويوم أن غادرت هذا الكون؟  ما الشيء الذي تنام عليه وتصحو من أجله؟ ما السر الذي يجعل لحياتك معنى ويضفي على روحك هذه النضارة ويجعلها تستريح في ظل اليقين بأن ما تصبو اليه هو فعلا الذي يطابق كل ما في وجدانك من إنسانية وحب لكل ما هو إنساني يخدم ولا يهدم، يغار على الحق، ولا تعرف الأنانية طريقها نحوه؟  فإنه ثبت أن هذا السر أو الحافز أو الدافع هوالذي “في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب” وبين النجاح والفشل، وبين النصر والهزيمة.

الدائرة الذهبية

يتساءل “سيمون سنك” في كلمة ألقاها في أحد ندوات (تيد) كما تساءل غيره: لماذا هذا النجاح الذي حققته شركة “أبل” ضد منافسيها في حقل التكنولوجيا؟ ولماذا انتصر “مارتن لوثر كنج” وفشل كل الذين سبقوه في تحقيق الكثير نحو المساواة بين السود والبيض في أمريكا؟ ولماذا فشل “صموئيل لانجلي” – وبالكاد يذكره أحد – وهو الخريج من جامعة هارفرد، الثري، المدعوم لوجيستيا وسياسيا في “اختراع أول طائرة” ونجح أصحاب “دكان” دراجات هوائية، الأخوان “ويلبر وأورفيل رايت” اللذان هجرا المدرسة الثانوية قبل نهايتها ليكرسا كل ما لديهما من أموال ومن وقت ومن مهارات في تصميم أول طائرة تطير بقيادة طيار وكان ذلك في 17 ديسمبر 1903؟

لا يمكن التقليل من الدور الذي يلعبه الحظ في الحياة ولا من توفير الدعم المادي وشبكة التواصل لتسويق فكرة ما أو بضاعة ما و في الواقع تتضافر كل هذه العوامل في الوقت المناسب لتحقيق الهدف وتوصيل الرسالة الى نهايتها الجميلة.  ولكن هناك عاملا لا بديل عنه كان في لب النجاحات والإنتصارات عبر التاريخ كان غيابه وراء كل فشل حتى عندما كانت العوامل الأخرى متوفرة.  هذا العامل هو الشعلة في أعماق النفس البشرية التي لا تخمد حتى تصل نهايتها وانتصارها مهما واجهت من تحديات لتصبح واقعا ملموسا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

الرسالة المحمدية تتصدر مثل هذه الحالات في التاريخ الإنساني حيث أتت واضحة جارفة لتخرج الناس من الظلمات الى النور ومن عبادة أباطرة وقياصرة ومستبدين الى عبادة واحد أحد. رسالة لم يقبل صاحبها أنصاف حلول ولا قايضها بمال أو سلطة ولا يزال حملتها يدافعون عنها بأرواحهم ودماءهم حتى لا تتحول الى أيقونة أو طقوس أو شعارات جوفاء لا تردُّ حقا ولا تزهق باطلا. ويزخر التاريخ بحركات تحرير كثيرة نجحت في إخراج أتباعها من قيود العبودية والتبعية عندما كان الحافز وراءها بمستوى عظمتها وعموميتها.

الرسومات أعلاه تعبرعن وجه الشّبه بين “الدائرة الذهبية” والدماغ البشري…وأن الحركة تبدأ من العمق باتجاه الخارج وليس العكس. فالفكرة أو الهاجس أو سمها ما شئت كأنها تنشأ في “ظلمات ثلاث” ، وفي المنطقة من الدماغ التى تعتبر مقعد العاطفة و”موقد” الأفكار والإبداع فليس فيها مركز للنطق ولا للتحليل والحساب ولا حتى المنطق. فلو أن كاسترو أو مانديلا أو غاندي أو مارتن لوثر كنج اعتمدوا على المنطق وعلى جدول الربح والخسارة لقضوا حتفهم دون تحقيق أهدافهم، ولما غادروا بيوتهم. “فإذا كانت النفوس كبارا*** تعبت في مرادها الأجسام”

ما تقوم به أنت من أفعال ومن مسالك هو البرهان على ما تؤمن به وتلتزم به من قيم ومبادئ في أعماق وجدانك! هناك مجموعتان من القوانين التي تتحكم في هذا الكون: سنن وقوانين كونية لاتخضع للزمان أو المكان وتنطبق على كل جنس وكل لون، وهناك قوانين نضعها نحن بني البشر لتسيير أمور حياتنا…. نحن بخيروفي عافية وفي سلام كلما سارت المجموعتان على وتيرة واحدة واتّحدتا في سمفونية كونية تقيم العدل وتصون الحرية والكرامة والمساواة في حرَم هذه السنن والقوانين.  ولكن كلما اتسعت الفجوة بينهما وابتعد خط سير إحداهما عن الآخر يكون الإنسان بإنسانيته أول ضحايا هذا الإنفصام.

  كوننا نغرق في بحر لُجّيٍّ من المعلومات دونما طوق نجاة من الحكمة لَمُؤشّر ساطع على “تفرق السبل” بين المجموعتين،  فكلما كسر”الربح” قيده وكوابحه وتمرّد وابتعد عن مرساة العدل والقناعة وهدف أسمى من جمع المال، كلما تعمقت المعاناة وعمّ التباين بين الناس ومرض الكوكب كله بكل مخلوقاته. فقد “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.” (الروم 41) والشواهد على هذا في كل أنحاء الكرة أرضية أكثر وأعم من أن تحصى، من تلوث بيئي، حيث نقف عاجزين أمام جبال من النفايات في كل مدننا الى الملايين يموتون ويعانون من الجوع والمرض والإهمال والظلم والإستبداد.  الجامعات  والمصانع التي تبدع في اكتشاف وتصنيع منتجات كيماوية وأسلحة نووية وبيولوجية تقف عاجزة بلهاء أمام إبداع ما هو جميل وإنساني بنفس الهمة والتفاني التي تعمل بها على انتاجها الآخر، لأن حافزها معطوب وبوصلته ذات قطب واحد لا تشير لسواه.  وإذا لم نتدارك الأمر فسنكون كالفتاة المسكينة وقربة  ماءها التى انحل رباطها فسال ماءها على الأرض فصرخت بأبيها لنجدتها ولعله يبقي ببعض الماء في القربة فقالت قولتها: “يا أبت الحق فاها ، غلبني فوها ، لا طاقة لي بفيها!……”فهل من مدّكر؟”

المراجع:

New.ted.com

One Dimensional Man by Herbert Marcuse

(5) الآن بدأ الجدّ…!

 

ألسعادة أن نمتحن مهاراتنا وقدراتنا في تحقيق حلم كبير (جون ستوسل – صحافي وكاتب)

من طبيعتنا ألرغبة في اكتساب مهارات جديدة (أنجيلا ميركل – المستشارة الألمانية)

في البداية كل فنان محترف كان هاويا (إيميرسون)

ليس عندي أية مواهب خاصة ولكن كل ماعندي هوملكة حب إستطلاع قوية جدا (آينشتين)

إذا لم يكن لديك القوة لتفرض شروطك على الحياة فستفرض الحياة شروطها عليك – وربما لا يعجبك ذلك (ت. س. إليوت)

قيمة كل امرئ بما يُحْسنُه (عمر بن الخطاب)

(أنظر وتواصل مع المراجع في آخر هذه الورقة)

مراجعة:

في الأربع مدونات السابقة تم طرح الأسس العلمية لدور الفكر والتصور والرغبة الصادقة العميقة في تحقيق ما تحلم به وما سيضفي للحياة معنى وأن تكون في مقعد القيادة فتقرر وجهة رحلتك بنفسك. والآن – في – الخطوة الثانية – سأضع في صندوق معداتك أهم الأدوات التي ستعينك خلال الرحلة وتضاعف فرص وصولك لهدفك وتحقيق حلمك وهي:

المهارات

الحوافز (او الجواب على سؤال لماذا؟)

الموارد

خطة العمل والتنفيذ

التقييم : النتائج والدروس

المهارات نوعان: ناعمة خفية مقرها النفس والجنان وهي من أهم مركبات الشخصية، و مكتسبة، تصبح بالتعلم والممارسة جزءا من بنية الشخصية.  المهارات بنوعيها في حالة عدم توفرها بالجودة العالية أو عدم استخدامها حسبما صممت له، فستلغي تماما ما سواها من مؤهلات لتحقيق الهدف، وستولِّد مع الزمن حالة من الضيق والقلق. وأهم المهارات من هذا النوع ما يلي:

piechart of listeners vs.speakers

مهارة حسْنِ الإستماع وأدبه:

 لا يوجد خلاف بينناعلى أهمية هذه المهارة في الحياة – وهي فعلا مهارة وليست إرثا بيولوجيا بل قل أدبا وتربية أكثر من تصميم خلقي (بفتح الخاء)، فلا داعي لتبرير الدعوة الى شحذها وتطويرها بوابل من النظريات والحكمة، والأجدى التركيز على سبل تطويرها وبلورتها وطرق ممارستها، ولكن للتذكير سأورد بعض ما قيل في آدابها.  يقول ابن القـيّم في مدارج (السالكين) “ألسماع أصل العقل وأساسه ورائده وجليسه ووزيره…وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه طربا وهربا وحبا وبغضا.” وقوله تعالى في (المائدة) “واتقوا الله واسمعوا” وفي سورة (الزمر) “فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.”

إن الإستماع “برغبة وقصد” أو ما يعرف بالإستماع الهادف أو الإصغاء، هو المقدمة الطبيعية لغالب العمليات الفكرية التي تدير السلوك والحركات، والسماع هو مفتاح الفهم وتبادل الشعور والإقناع، وهو الأساس الذي تبدأ به وتُشيَّدُ عليه الثقة والمودة المتبادلة والتواصل بوعي وفهم.  ولا شك أن معظم المشاكل بين الناس توجد جذورها في عدم الإصغاء أو الفهم لما قيل. ولنتفق أن هناك فرقا كبيرا بين “السمع” بيولوجيا والإستماع، ليس فقط لما يقال ولكن كيف يقال، بالصوت وبالحركة وبالتعبير على ملامح الوجه وبما لا يقال بين السطور.

إن من أهم معوقات حسن الإصغاء ومما يكدر صفو المحادثة بين إثنين يكمن في:

البدء فورا بالتفسير العاجل لما نسمع وتحضير الرد عليه قبل أن ينهي المتحدث الكلام مما يسبب النكد والنفور عند المتكلم

الإنشغال بهموم أخرى والقلق على مسائل تتعلق بنشاطك اليومي أو انتظارك لشيئ ما

الجو المزعج والبيئة التي تحول دون التركيز أو حتى سماع ما يقال

عدم وجود رغبة عند المستمع لا للموضوع ولا للمتكلم بناء على خبرات سابقة

الملل من سرد المتكلم وركاكة ألفاظه أو لغته

ومن  حسن آداب الإستماع:

التوقف عن الكلام والتحضير النفسي والذهني للإستماع أي أنه يجب عقد النيّة والتفرغ للإستماع الهادف

التفاعل مع المتكلم بالإيماءة أو حركة الرأس أوتثبيت العينين تجاه المتحدث، وبالتوقف عن اللهو بالتلفون أو القلم أو ترتيب الأوراق أو الحركة بعيدا للنظر من النافذة مثلا.

التعاطف مع المتكلم ووجهة نظره خلال الحديث، والصبرعليه حتى ينهي طرح ما عنده تماما

الإمتناع عن اتخاذ مواقف مسبقة مبنية على مشاعر شخصية قديمة أو “معلبة” مرتبطة بالقومية أو اللون أو الجنس أو الدين وليس لها علاقة مباشرة بالموضوع

إصغ جيدا للفكرة كلها وليس للكلمات…. ركز على الغابة وليس على كل شجرة بمفردها

لا تجعل من نفسك حكما أوقاضيا على المتحدث وواجه المتحدث ولا تنظر اليه شزرا أو باستخفاف أو استهتار

وفيما يلي الخطوات العملية التي يجدر بالمستمع اتباعها للتوصل الى فهم فكرة المحادثة والتأكد من استيعابه للموضوع من كل زواياه  وإبداء الإحترام للمتحدث مما سيقوي العلاقة ويبني الثقة بينهما ويزيد من الشفافية والشعور بالتعاطف فيما بينهما:

لخص للمتكلم ما سمعت وما فهمت وأعد النقاط المهمة بلغتك أنت وعباراتك

لا تقاطعه بالتعبير عن مشاعرك قبل أن تُسأل عنها

إذا كان لا بد من استفسار عن شيئ فاطرح أسئلة ذات مغزى ومشجعة للإستطراد بالكلام

أعط المتحدث فرصة للإطمئنان والراحة النفسية ودعه (أو دعها) بفتح الحديث بالسرعة التي يستريح عندها

التحلّي بالصبر والحلم والسكون والوقار فقد قيل: ” أول العلم الصمت ثم حسن الإستماع”

عــبّر بما يشجع المتكلم بجعل كلماتك ومشاعرك على مستوى قريب من مستوى المتحدث من انفعال ونبرة وتعجب، فقل مثلا:”أكمل من فضلك” أو “دعنا نجلس أو نلتقي ونتحدث أكثر.”

لا تحقق مع المتحدث كضابط مباحث ولا تحاول “تصليح” وضع، أو طرح حلول نصف مطبوخة في وسط الكلام ولا تغـيّـر الموضوع

اجتنب قدر المستطاع عبارت مثل:” هل أنت متأكد؟” أو “مش معقول أن تكون الأمور بهذا السوء،” أو “نام عليها بكرة بتصحى أحسن!!”

طمئن المتحدث وخفف من قلقه وروعه مثلا بدون التوسع والمبالغة في التفاؤل.

face to face comunication pichart

أما إذا كنت أنت المتحدث ….!

فعليك أن تتقن التحدث أمام الناس ومع الناس بالتدريب على ترتيب أفكارك واختيار كلماتك ووقفتك ونظراتك ومعرفة هدفك من المحادثة والتواصل.  لم أجد لتحقيق ذلك أكثر نفعا من أن تلتحق بأحد نوادي “التوستماسترز العالمية” والتي تتواجد في أكثر مدن العالم وبأكثر من لغة بما فيها اللغة العربية التي يسعدني أن أقول أنني كنت وراء إنشاء أول نادي خطابي باللغة العربية في العالم وكان ذلك في مطلع سنة 2000 في دبي.  الآن يفوق عدد نوادي العربية العشرين في المشرق العربي.  النادي يعتمد على ممارسة الأعضاء الخطابة في مشاريع مصممة بدقة وأمام جمهور من الأعضاء في جو واقعي وممتع وبنّاء. ومن ضمن المهارات الأخرى:

المحافظة على مستوى عالٍ من اللياقة البدنية والعقلية والعاطفية والروحية

التحلّي والتميز بدرجة عالية من الألفة والمحبة وحسن العشرة واللطف والصفح والتسامح مع الآخرين

السيطرة على النفس وما تأمر به والتحلـّي بمكارم الأخلاق والضمير الحي وأخذ مشاعر الآخرين بعين الإعتبار

العمل الدؤوب وعدم اليأس فلكل جواد كبوة “فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل،” “قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضّالّون.”

لا تلعب دور الضحية وتحَمّلْ المسؤولية بشجاعة وإباء لكل أفعالك

ابتغِ تقديم العون والخدمة ما أمكنك ذلك “لكل الناس” ولا تنتظر المقايضة لكل جميل تفعله “قل كل يعمل على شاكلته…” وكل إناء بالذي فيه ينضح.

 

أما المقصود هنا من المهارات المكتسبة فهو ما يتعلق بوظيفتك ومهنتك وما تقوم به في حياتك من أعمال فمن مستلزمات الوصول لهدفك وتحقيق ما تحلم به أن تأخذ ما يلي بعين الإعتبار:

إتقان مهنتك واستمرارالحفاظ على آخر المستجدات حولها بالدراسة ومن خلال عضوية مهنية وقراءة الأدبيات وما ينشر من أبحاث

توقع أقل وقدم أكثر بحماس وبسعادة

كن جزءاً من الحل وليس جزءا من المشكلة

لا تتذمر كثيرا وقدم المساعدة لمن هو أقل منك علما أو خبرة، وخالق الناس بخلق حسن

كن مشاركا فعالا في أي مؤتمر أو اجتماع تحضره

كن واضحا واطلب حاجتك بعزة النفس “فإن الأمور تجري بمقادير”

اعمل جاهدا بأن تتميز بنشاط ما في مجال عملك لتصبح مرجعا حقيقيا في جانب معين مهما بدا لك ضئيلا

ستحقق نقلة نوعية وستكون في أعلى القائمة للمرشحين للترقية أو للتطوير أو للفوز بمشروع إذا “نشرت” بحثا أو تجربة في صنعتك

لا تتوقف عن الدراسة والقراءة وتخصيب معرفتك في أي مجال لك فيه متعة أو منفعة.

فيما يلي بعض المراجع التي استلهمتها في كتابة هذا القسم من المدونة لعل القارئ يجد فيها ضالــّتـَه:

http://www.rwaq.org/

http://www.toastmasters.org/

https://www.coursera.org/

http://www.giveandtake.com/Home/AdamGrant (A revolutionary Approach to Success)

The Miniature Guide to the Human Mind (How it learns and how it mislearns), by Dr. Linda Elder and Dr. Richard Paul

 

يتبع…. الخطوة الثالثة…عن االحوافز….

الفرق بين حياتين!…..

Soccer field1 Soccer field with no goals

 

صورة  تمثل حقلا أخضرا جميلا تكاد تلمس نعومته وطراوته ومتعة المشي عليه، لا حدود له وتتساوى عنده الجهات الأربع، فحيثما سرت فأنت هناك وحيثما وصلت فأنت حيثما وصلت…لا فرق بين محطة وأخرى.

وصورة مجرد النظر اليها تعطيك ثراء لا حدود له من الإحتمالات والسيناريوهات فأمامك مرمى بعيد جدا ولكنه واضح المعالم وأمامك الكرة التي لها علاقة وثيقة بالمرمى وفي نفس اللحظة التي تبدأ بالتركيز على الهدف تبدأ برسم الخطة لوضع الكرة بداخله وبحساب الوقت المتبقي من المباراة وبأحسن الطرق وأضمنها للوصول للهدف، وفيما ستحتاج لتمرير الكرة للمناورة ضد الفريق الخصم،  وخلال كل هذا تطغى عليك فكرة واحدة وهي الوصول للمرمى بالكرة ولا يوجد في ذهنك أي فكرة ثانية أبدا. فتصور لو كان هذا هو هدف التعادل أو هدف الفوز بكأس العالم فإنك ستستدعي كل مهاراتك وكل خبرتك وكل إيمانك وكل قوتك الجسدية وكل تركيزك وكل ما في قلبك من حب لمن تحب وكل ما فيه من شوق للنصر…. في نفس الثانية التى ستتجه فيها نحو ذلك المرمى…. تمعّن في الصورتين كثيرا…وتفكــرّ!

وهكذا الحياة الهادفة التي إن فاتها الفوز فإن الرحلة نفسها تعادل الفوز…. عدا ذلك فهي استهلاك للوقت والأوكسجين على حساب الكائنات الأخرى.