حدود ولطم خدود

من كتاب يوجين روغان: العرب – تاريخ (2012) / (2)

بين 1516 و1517  تغلب ملح البارود والبندقية على السيف والحصان وبعد  أكثر من 500 سنة متواصلة لم يعرفوا خلالها حكما من عاصمة أجنبية، وقع العرتحت الحكم العثماني التركي ، وبعد أن كانت دمشق وبغداد والقاهرة مقاعد حكمهم وقواعد قوتهم أصبحت الآستانة (إستنبول – القسطنطينية) هي مصدر الأوامر ومركز السلطة. ومنذ ذلك اليوم وعلى مدى أربعة قرون من الخمسة قرون الماضية عاش العرب تحت الحكم التركي العثماني قبل أن بدأت الأوامر تصدر لهم من لندن وباريس وواشنطن أو تل أبيب.

 جاء عام 1918 وانهارت الإمبراطورية العثمانية واستيقظ العرب على عتبة أمل كبير في الإستقلال والحرية يستعيدون في ظلهما مجدهم الغابر ويبنون دولتهم الجديدة على أنقاض ورماد الإمبراطورية التي أفل ظلها. واستمد العرب زخما كبيرا أثلج صدورهم وقوّى أملهم آنذاك من نقاط (ودرو ويلسون) الأربعة عشرالتي أعلنها الرئيس الأمريكي وخصوصا نقطة رقم 12، التي نصت على أن يحكم الشعب التركي من قبل حكومة تركية ، وأن تتمتع الشعوب الأخرى من غير الأتراك، والتي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، بحرية اختيار حكامها. ولكنهم ما أن فركوا من عيونهم نعاس القرون حتى تبخر الحلم وأخذ مكانه كابوس تجرع العرب مرارته (ولا يزالون) عندما تبين لهم أن الذي يعطي الأوامر ويرتب أمور العالم  كما تمليه عليهم مصالحهم كانوا هم الأوروبيون وليس ويلسون ونقاطه الأربعة عشر.

ما أن انتهت سنة 1919 حتى كان العالم العربي قد تم تقسيمه بين بريطانيا وفرنسا وكل منهما طبّق نظامه على حصته من “المزرعة العربية” ، بريطانيا ثبتت حكما ملكيا دستوريا؟ في العراق والأردن وفرنسا طبقت النظام الجمهوري في شمال إفريقيا وسوريا ولبنان.  ومع نهاية الأربعينيات والخمسينيات وبداية تفكيك المستعمرات من بين مخالب بريطانيا وفرنسا بدت الحدود المصطنعة وكأنها محفورة في فولاذ لا تتغير وليس مسموح بأن يجري عليها أي تغيير، وأصبح العرب على أثرها مجرد جالية من عدة أمم بدلا من الحلم الوردي الذي عاشوه “خلسة المختلس” في أمة واحدة “ذات رسالة خالدة”  بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.

الحرب العالمية الثانية غيّرت معالم وعوالم وأتت على أنظمة واقتلعتها من الجذور وتحررت دول من ربقة الإستعمار ولكن بقي العرب أعرابا وعربانا تابعون لإحدى القوتين اللتين ورثتا بريطانيا وفرنسا وهما أمريكا ومن دار في فلكها والإتحادالسوفياتي ومن دار في فلكه: (رجعيّون) إن كانوا من الفريق الأول و(تقدميّون) إن كانوا من الفريق الثاني. وهنا تمت ولادة “دولة إسرائيل” بعملية قسرية و”قيصرية” نسبة الى قياصرة العصر وزادت الأمور تعقيدا على ما كانت عليه لو كان ذلك ممكنا.

وليت هذا الإنزلاق والتدهور نحو الهاوية توقف عند هذا الحد فحتى عندما انهار الإتحاد السوفياتي وخرجت دول حلف وارسو من عقالها ومن قيود تبعيتها لموسكو وبدأت تتعافى بتسارع مذهل فتوحدت ألمانيا ودخلت دول شرق أوروبا التي كانت شيوعية قبل ظهر أمس الأتحاد الأوروبي مع طلوع شمس اليوم… إلا العرب ومن يدير شؤونهم فقد تقلصت طموحاتهم وبات أقصى ما يحلمون به هو”الستر” والبقاء في السلطة أو حتى على قيد الحياة.  فعندما صوّت الكرملين في مجلس الأمن لصالح أمريكا و قرار استعمالها القوة ضد العراق – حليفه قبل قليل – لم يعد عند العرب أدنى شك بأن “الدنيا تغيّرت” وأن عصر أمريكا “بدون أية كوابح أو لجام” قد هلّ هلاله والأسوأ لايزال عند هذه النقطة في بطن الغيب والحمل بغيض!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s