مأ أكذبهم وما أتيسنا

 

من كتاب يوجين روغان – العرب – تاريخ (2012)

إن على أصحاب السياسة والقرار والمثقفين في الغرب أن يتعظوا من التاريخ ودروسه إذا كانوا صادقين في نواياهم نحو معالجة الأمراض المستعصية التي ما تنفك تفتك بالعالم العربي اليوم ، بدلا من نظرة الأهمال والأستخفاف من قيمة التاريخ التي يدأبون على النظر من خلالها. لقد كتب المعلق الأمريكي جورج ويل ما مفاده ” عندما يقول الأمريكيون عن شيئ أنه “مجرد تاريخ” فهم يقصدون بذلك أنه لا معنى له ولا فائدة!” ولكن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.  على كل هؤلاء في الغرب أن يتداركوا موقفهم وأن يعيروا اهتماما أكثر بكثيرمما يفعلون الآن لاستيعاب ما مــرّ على العرب من أحداث وتجارب تاريخيه وكيف فســّرالعرب أنفسهم هذه الأحداث وكيف فهموها في سياقها التاريخي عليهم ومن حولهم.

فعلى سبيل المثال وعلى مر العصور وعبر عدة قرون حاول الغربيون وقادتهم أن يصوروا اجتياح واحتلال العالم العربي كعمليات تحرير، وأنهم كانوا محررين وليسوا غزاة.  عندما غزا نابليون مصر في سنة 1798 أصدر بيانا لأهل مصر يطمأنهم فيه بحسن نواياه فقال لهم: ” يا أهل مصر ، سيقولون لكم أني قادم لأقضي على دينكم، لا تصدقوا ذلك! أجيبوهم وردّوا عليهم بأني قادم لأعيد لكم حقوقكم ولأعاقب من ظلمكم، وأني أحترم الله ربكم ونبيكم والقرآن الذي أنزل عليه.” وعليه فإن مسيو نابليون أراد من المصريين أن يصدقوه ويثقوا بوعوده وأنه جاء محررا وليذود عن بيضة الأسلام ويحميه بل وينشر الدعوة وليس أن هدفه كان خدمة المصالح الأستراتيجية لفرنسا وتوسيع الهيمنة الفرنسية ضد المنافسين البريطانيين آنذاك.

وبعد مضي أكثر من 115 سنة كان صدى وعود نابليون الجوفاء لا تزال ترن في خطاب الجنرال الأنجليزي (سيرستانلي مود) عندما دخل بغداد فاتحا في مارس 1917 على رأس قوة الغزو البريطانية في ذروة الحرب العالمية الأولى. فقد ادّعى السير مود أن جيشه جاء ليطهر الأرض العربية من الأتراك العثمانيين: “إن قواتنا وجيوشنا لم تدخل بلادكم كقوات احتــلال أو كعدو لكم ، ولكن كمحررين. فمنذ هولاكو (القائد المغولي الذي دمـّر بغداد سنة 1258 ) وأنتم تعانون الظلم وجبروت ألأغراب والأجانب ، وأنكم وآباءكم من قبلكم طالما كنتم تئـنّون في قيودكم وعبوديتكم.”  واستطرد السير مود بتقديم الوعود تلو الأخرى نحو إعطاء العراقيين حق تقرير مصيرهم وأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وأن أهل بغداد سيعيشون في نعمة وسعادة ورفاه.

لم يكن في كلمات السر مود سنة 1917 صدقا أكثر مما كان في كلمات مسيو نابليون من قبله في عام 1798! فقد كانت بريطانيا قد حسمت مع حليفتها في الحرب فرنسا مسألة تقسيم الوطن العربي في سنة 1916 ، وكان السير مود يقوم باحتلال بلاد كانت لديه كل نية بإلحاقها بمستعمرات الإمبارطورية البريطانية.

و بعد 86 سنةمن أيام السيرمود ووعوده لأهل العراق بالحرية والسعادة الرفاه “طلع البدرعلينا….” وتم احتلال العراق سنة 2003  وتحت نفس الوعود بالتخلص من الدكتاتورية ومن أجل الحرية والديمقراطية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s