من بوابة حلب طلعنا من التاريخ

في التاريخ قديمه وحديثه معارك كانت فاصلة بين عصرين و كانت منعطفا غيرت مجرى التاريخ. فمثلا ، معركة ديان بيان فيوأدت إلى خروج الفرنسيين من فيتنام ، ومعركة بلاط الشهداء أوقفت المدّ الإسلامي نحو أوروبا،  وكذلك معركة مرج دابق موضوع حديثنا!

نشبت المعركة في 24 أغسطس سنة 1516 في ضواحي مدينة حلب، بين المماليك بقيادة قانصوه الغوري والسلطان العثماني سليم الأول الملقب بسليم العابس أو الرهيب (عند الغرب) وسليم القاطع الشجاع عند بني قومه الأتراك. المعركة أنهت حكم المماليك الذي دام 267 سنة في مصر وسوريا والقسم الأكبر من الجزيرة العربية وأدخل العرب تحت الحكم التركي للخمسمائة سنة التي تلتها. وكان سليم تاسع سلاطين بني عثمان وأول من أطلق على نفسه لقب خليفة وأمير المؤمنين.

التاريخ مليئ بالمفارقات والمفاجآت وصعود أمة وهبوط أخرى.  إن حكم الأمويين بعظمته وجبروته وفتوحاته التي وصلت للصين شرقا وللأطلسي غريا لم يدم حكمهم إلا 88 سنة. عمرأمريكا منذ استقلالها عن بريطانيا سنة 1776 حتى الآن 237 سنة. قانصوه الغوري كان السلطان المملوكي التاسع والأربعين بينما باراك أوبوما الرئيس ال 44 للولايات المتحدة بفارق الثلاثين سنة  في العمر بين أمريكا ودولة المماليك.

العثمانيون كانوا في صعودهم الساحق فقبل 63 سنة فقط سقطت القسطنطينية لجيش محمد الفاتح بينما كان المماليك قد بدأ الفساد ينخر نظامهم والصراع على السلطة في أوجه ورغم شجاعتهم في الحرب وتفوقهم في فنون المعارك ، إلا أن جيشهم كان ثلث جيش السلطان سليم وأسلحتهم السيف والرمح والسهم مقابل المدافع العثمانية. كان قانصوه الغوري على ظهر جوادعربي يحيط به كل رجال حكمه من قضاة ووزراء وعساكر بينهم أربعون ممن كانوا يعرفون بأنهم يرجعون في نسبهم للرسول محمد (صلعم)،وكان هؤلاء يعصبون رؤوسهم بنسخة من القرآن في عمامة صفراء من حرير للتبرك بها.

كانت معركة وصفها إبن إياس”يشيب لهولها شعر الطفل ويذوب من حرّها الحديد!” كانت مذبحة حقيقية لعدم تكافؤ الجيشين لا في العدد ولا في العتاد وإذا لم يكن كل ذلك كافيا فإن قائد ميسرة جيش المماليك حاكم حلب المملوكي “خاير باي” استسلم دون قتال خيانة وغدرا،  فقد كان على اتصال بالسلطان سليم قبل المعركة. وقد أطلق الناس عليه بعدها إسم “خائن باي!” وعندما قام أحد الضباط في الجيش المملوكي بإخبار رئيسه قانصوه بما حدث وبأن المعركة أصبحت بحكم المنتهية وعليه الإنسحاب والرجوع إلى مصر ، سقط قانصوه عن جواده ميتا وكان القتال لا يزال على أشدّه،  ولم يعثر على جثته أبدا وكأن الأرض ابتلعته في جوفها.

بعد انتصار السلطان سليم الكاسح وكسر العمود الفقري للماليك كانت مسألة وقت وأمور لوجيستية حتى تقدم الجيش التركي نحو القاهرة وعاث جنوده فيها سلبا وسبيا وانتهى الأمر باعتقال طومان باي الذي كان يحكم مصر بعد غياب قانصوه، وقد كان طومان هذا متخفيا حتى وشى به أحد البدو فبعد اعتقاله دار به الجنود في حواري القاهرة لقطع أي شك عند العامّة بأن عهد المماليك قد ولّى الى غير رجعة، قام الجنود الأتراك بشنقه عند باب زويلة، ويقال عن شهود عيان أن حبل المشنقة انقطع به مرتين قبل أن يقضي مشنوقا وينهي بذلك حكم المماليك الذين أوقفوا الهجوم المغولي وطردوا آخر الصليبيين من بلاد المسلمين.

ويبدو أن العرب كانوا “براجماتيين” حول من يحكمهم فقد تأقلموا سريعا مع الحاكم الجديد وأطنبوا بمدحه كحامي للدين وللأمن وللقانون ولم يكن للماليك كما يبدو من البواكي أحد ، وخصوصا في بلاد الشام وأهلها الذين عانوا كثيرا من الفساد والضرائب وانفلات أمني تحت المماليك!

وهكذا دارت عجلة التاريخ عند بوابة حلب كما تبدو أنها تدوراليوم،  ويبقى السؤال معلقا في الهواء كيف  ولماذا حدث كل هذا؟ وأين كان العرب في مرج دابق؟ أو في القدس عندما اكتسحها دايان؟  أوفي بيروت عندما اكتسحها شارون؟ أو في بغداد عندما اكتسحها  هولاكو بوش؟ حارب المماليك عن “إرثهم” في أرض العرب ضد الأتراك الذين يريدون اغتصاب نفس الأرض فأين كان العرب أصحاب الأرض؟  أين القعقاع وفرسانه؟ بل “أين آمون وجند الغالب؟” وأين ذهب حفدة الذين “ألحقوا الدنيا ببستان هشام؟”

هناك لا شك نمط تاريخي للنصر والهزيمة وهناك فعلا نواميس كونية كسْرُها يجرُّ على منتهكها نفس المصير، ورغم كل الدروس وكل التجارب وكل العذاب الذي مرّت به الأمـّه ولا تزال ، فلا زلنا نتلمس طريقنا في هذا العالم كالضرير أحيانا وكالملهوف أو المرعوب أحيانا أخرى وكما قال سمير قصير الكاتب اللبناني الذي اغتيل في بيروت في 2005 “ليس من الممتع  أبدا أن تكون عربيا هذه الأيام!” ولكن إلى متى؟  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s