عفوا يا عرب…لكن

تصوّر لو كنت يوما ما تسير في حديقة نيويورك المركزية (سنترال بارك)  للقاء صديق لك ممن يعرفون المدينة وحدائقها ، و فجأة أوقفك رجل مـدّثُر بمعطف قديم يجلس على أحد مقاعد الحديقة، وما أن اقتربت منه حتى وقف أمامك بانكسار ومد يده اليك قائلا ” أيـة خرده – فراطة – زايدة من فضلك ، فإني لم آكل منذ أمس!” فتعطيه ربع الدولار العالق في قاع جيبك فيعود هو لمقعده وتكمل أنت المشوار.

  وعندما تلتقي بعدها بصديقك وتجلسا لتناول الكابتشينو تسرد له قصة الرجل الذي لقيته في الحديقة فيبتسم لك ويهز رأسه مستنكرا متعجبا ، فيأخذ منك حب الإستطلاع كل مأخذ وتصرعليه أن تسمع المزيد. فيقول لك أن هذا الرجل أصبح معلما من معالم سنترال بارك ولولا أنه أحسّ بأنك أجنبي وربما لا تجيدالإنجليزية لألقى عليك محاضرة طويلة عن طفولته في أيام الثراء والقصر الذي ولد فيه واليخت الذي كان يسامر خلاّنه عليه والإسطبلات حول أمريكا التي  كان يحتفظ  فيها بأحسن سلالات الخيول العربية ، فهو يا صديقي من حفدة هنري فورد الذي يعرفه القاصي والداني حول الكرة الأرضية،  فانظر إلى حاله بعد أن فقد كل ما ورث عن عائلته وبدّد كل ما وقعت عليه يداه في اللهو والإستثمارات النرجسية، وها هو يستجدي ربع الدولار ليشتري بها شرابا أو مسكّنا. فتقول في نفسك “ألا يكـفي هذا الرجل خجل التسوّل أعليه أن يقضي على أي تعاطف وتراحم من المارة بفضح نفسه وفشله وغباءه وما آلت اليه حاله بعد العزّ والحرير والخيل المسومة و كل ما زيّن له من الشهوات.

ومثل هذا الشخص الخيالي كمثلنا نحن العرب.  فإنك قلما تبدأ بتوجيه أي نقد لما نحن عليه كأمة إلا ويشنف أذنيك أحدهم كيف أننا فتحنا الأندلس ونشرنا الحضارة في أوروبا وكيف أن بغداد كان بها أكثر من 700 مشفى في الوقت الذي كانت أوروبا كلها تموت بالطاعون والقذارة والجوع والفقر والجهل.  طبعا كان الأحرى بمحدثك وناقدك أن يبدي بعض الحياء لما أصبحت عليه أمتنا، فبعد 500 سنة من الحكم العربي للوطن العربي هبط هذا الوطن للقاع وبقي منذ ذلك الحين تتناوب على حكمه أجناس وأجناس – إلا بالخداع البصري وخفة اليد التي تظهرنا على أننا أحرارا ونسود أنفسنا

 فماذا جرى؟ ولماذا جرى؟

عندما وقف “محمد بن عبد الله” صلوات الله عليه في عرفة وقال في خطبة الوداع:

أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا….

أليس النقيض تماما هو الذي يجري الآن على معظم التراب العربي؟

أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك….

ألم يقتحم الشيطان علينا كل بيت عربي إلا من رحم ربي؟  أللهم إلا إذا كان الفساد والسرقة والكذب والإسراف والحسد والمشاحنة والكراهية والإستبداد ليست من عمل الشيطان!

واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً.

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه

فلا ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه.

 أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى….

فهل بقي شيئ من خطبته وأوامره صلى الله عليه وسلم لم نصد عنه أونهجره أولا نتأفف من طرحه؟

وهل معنى ذلك أننا عدنا للجاهلية و”أيام العرب؟” أقول نعم ولكن على أسوأ! لأنه كما قال المتنبي: “ولم أر في عيوب الناس عيبا*** كنقص القادرين على التّمام.”فأبناء الجاهلية لهم ألف عذر على ما كانوا يمارسونه من رذيلة فكما قال شوقي:

أَتَيـتَ وَالنـاسُ فَوضـــى لا تَمُـرُّ بِهِـم

إِلّا عَلـــــى صَنَـمٍ قَـد هـامَ فـي صَنَـمِ

وَالأَرضُ مَملــوءَةٌ جَــوراً مُسَـخَّـرَةٌ

لِكُــــــلِّ طاغِيَـةٍ فـي الخَـلــقِ مُحتَـكِـمِ

مُسَيطِرُالفُــــرسِ يَبغـي فــي رَعِيَّـتِـهِ

وَقَيصَرُالـــــرومِ مِـن كِبـرٍأَصَـمُّ عَــمِ

يُعَذِّبـانِ عِبــــــــــادَ الـلَـهِ فــي شُـبَـهٍ

وَيَذبَـحـانِ كَـمــــــــا ضَحَّـيـتَ بِالغَـنَـمِ

وَالخَلـــقُ يَفتِـكُ أَقـواهُـم بِأَضعَفِـهِـم

كَاللَيـــثِ بِالبَهـمِ أَو كَالـحـوتِ بِالبَـلَـمِ

 فقد عدنا بعد الف وخمسمائة عام من العلم والمعرفة والمجد وكل واحد منا  يتمنطق الآن (بلآي فون)  وعلى ركبتيه حاسوب يصله بالعالم من خلال أقمار اصطناعية…..ورغم كل هذا رجعنا لنفس العقلية التي كانت تسيطر على العرب في أيام داحس والغبراء والبسوس من الأخذ بالثأر والقتل على الهوية أوالقبيلة أوالحزب، وفي نفس الوقت لم نحافظ على مكارم الأخلاق في العصر الجاهلي التي كانت تمنع الحرب مثلا في الأشهرالحرم (يعني ثلث السنة) لتتيح الفرصة للكلأ وتضميد الجروح ودفن القتلى والبكاء على الأطلال التي هجرها أهلها.

فلينظركل منا لما كانوا يتحلـّون به في الجاهلية من مكارم الأخلاق، وليتحقق بنفسه – حتى لا أظلم أحدا – فيما يلي من صفات حميدة كم شططنا في سلوكياتنا وكيف أن الجزاء من جنس العمل و”أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله… ألا وهي القلب.”

ألكــرم والإيثار على النفس

الوفاء بالعهد

عزّة النفس والإباءعن قبول الخسف والذلة

العــزم واتخاذ القرار

ألحلم والأناة والتّؤدة

احترام الجار والمحافظة على حقوقه وخصوصياته حتى قال الشاعر:

شراء جارتي ستراً فضول لأنني*** جعلتُ جفوني ما حييت لها سترا

 

وما جارتي إلا كأمي وإنني*** لأحفظها سراً وأحفظها جهرا

وقول زهير بن أبي سلمى:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغن عنه ويذمم

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وإن يرق أسباب السماء بسلم

ومن يجعل المعروف في غير أهله
يكن حمده ذما عليه ويذمم

أو قول عنترة:

لا تسقني ماء الحياة بذلـّة بل فاسقني بالعـزّكأس الحنظل….

ولعل أغلى ما  كان عندهم من هذه الأخلاق وأعظمها نفعًا ـ بعد الوفاء بالعهد ـ هو عزة النفس والمضي في العزائم؛ إذ لا يمكن قمع الشر والفساد وإقامة نظام العدل والخير إلا بهذه القوة القاهرة وبهذا العزم الصميم‏.

فمن الجلي والمؤلم أننا لا أبقينا على الأحسن من أخلاق الجاهلية ولا التزمنا وتأدبنا بأدب الإسلام….

ونتعجّب كيف وصل بنا الحال لما نحن عليه؟ ما أسخفنا ! فالأجدر بنا أن نـقـرّ بمسببات حالنا ونبدأ بإصلاح ما أفسدناه ف..”يدانا أوكتا وفونا نفــخ” كما قالت الإبنة العربية لوالدها عندما انقطعت القربة وسال كل ما كان فيها من ماء….

أو كما قال أبو نواس: “تعجبين من سقمي…… صحتي هي العجبُ!” فعلا… بل أمـّتي هي العجبُ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s