ظاهـرة فلسطينية كان إسمها ظاهر العُـمَـر(2)

بوتقة القهر والإحباط

هناك إجماع أن قبيلة الزيداني حطت رحالها في فلسطين في القرن السابع الميلادي واتخذت من سهول الجليل ما بين صفد وبحيرة طبريا مقرا لها. يعتبر ظاهر العمر من طلا ئع الجيل الثالث (أو الرابع حسب شجرة العائلة) لقبيلة الزيداني وقد سبق أن كان جده واليا على عكا وصفد وما حولهما من مناطق زراعية.

لم يكن يخفى على الشيخ ظاهر العمر سوء أحوال الناس من فلاحين وعمال وتجار صغار وما كانوا يعانوه من ضرائب. وكيف أن ولاة الدولة العثمانية كانوا من كبار الإقطاعيين إن كانوا آل العظم في الشام أو غيرهم في بيروت وصيدا ونابلس والقدس، وكان يحز في نفسه أن تكون فلسطين بتاريخها السياسي والديني وموقعها الجغرافي مجرد “تابعة” لولايات أخرى. وبدأ الإحساس بالقوة الإقتصادية الكامنة في مناطق نفوذه وقربه من الناس العاديين والإحساس بالظلم والمهانة من قبل الولاة “الكبار” باعتباره مجرد “جابي ضرائب” يعمل لديهم، بتحفيز الشيخ ظاهر على البدء بالكفاح نحو دور أكبر في الملعب ، ونحو عدالة إجتماعية أوفر، ونحو نوع من الإستقلال يضعه في مصاف الولاة الآخرين.

 الإحباط والقهر والشعور بالظلم تقود العظماء نحو القيام بعمل ما وبتفعيل كل مواهبهم ومقدراتهم والكامن من طاقاتهم، أما صغار القوم فتقودهم نحو الإستسلام. بوتقة القهر تصهر المهزومين ولكنها تزيد العظماء نقاء وعظمة.  قبل أن يقدم الشيخ ظاهر العمر على تحدي الدولة المركزية وولاتها قام بالعمل على ثلاث جبهات في آن واحد:(1) الجبهة الداخلية وقوى الجوار ،(2) بناء قوة عسكرية وتحصين مواقعه و (3) السيطرة على اقتصاد المنطقة وكان ذلك محصورا في القطن زراعة وتسويقا وتسعيرا.

على الجبهة الداخلية ما أن حصل الشيخ ظاهر على منصب المسؤول الأول عن تحصيل الضرائب ب”فرمان رسمي” من حاكم صيدا حتى قام بتحالف وثيق مع القبائل الأخرى في المنطقة وانفتح على جميع مكونات المجتمع وقدم الدعم لبناء كنائس للمسيحيين كما فعل للمسلمين حتى أنه استدعى الحاخام اليهودي “أبو العافية” من إزمير في تركيا ليرجع لفلسطين ويخدم اليهود الفلسطينيين. انتشر العدل والأمن وارتفع معهما منسوب الشعور بالحرية والكرامة عند الناس فأصبح لديهم ما يستحق حمايته والدفاع عنه ودخل إسم الشيخ ظاهر العمر كل بيت فأصبح علما ومرادفا للعزة والمنعة وللكرم والأستقلال.

على الجبهة العسكرية كان أول عمل قام به هو السيطرة على طبرية والتي لم تكن أكبر من قرية صغيرة وحصّـنها جيدا ثم خلق نواة لجيش قوي مكونة من 200 فارس وبدأ بتوسيع سيطرته تدريجيا على المناطق المجاورة متحديا “مشايخ” نابلس والقدس مما أوغر صدورهم ضده ومن هنا بدأت الدسائس تحاك ضده بين الولاة والحكام.

على الجبهة الإقتصادية فقد بدأ بتوسيع سيطرته على المناطق الزراعية والتركيز على زراعة القطن بالإتفاق مع المزارعين.  اعتمد الشيخ ظاهر على من يثق بهم من عشيرته وكلما توسع أكثر كلما زاد الدخل أكثر فبنى جيشا قويا مما سمح له بالسيطرة على مناطق شاسعة وخاصة الطريق التجاري المؤدية لدمشق حتى أصبح بحلول سنة 1740 أقوى رجل في شمال فلسطين.

أصبح المسرح جاهزا الآن للمجابهة فلم يكن لدى الشيخ ظاهر أدنى شك أن حاكم دمشق بالذات سيغض النظرعن نشاطاته أو أن استنبول لا تدري عما يجري وهي التي كانت تحاسب جباة الضرائب “على آخر مليم!” وجاءت الشرارة في موسم الحج لعام 1742 عندما رفض الشيخ ظاهر تمويل الموسم كالعادة من أموال فلسطين فتحرك “سليمان باشا العظم” حاكم دمشق بعشرين ألف من جنوده تدعمهم استانبول بالعتاد والمدفعية والمؤونة وحاصر طبرية لمدة ثلاثة أشهر وفشلوا في اقتحامها او كسر روح المقاومة بداخلها. خلال الحصار (وكأن الفلسطيني مختوم على جبهته عند الولادة: مصمّم للحصار) كان رجال الشيخ ظاهر يخترقون خطوط الحصار ويرجعون بالمواد التموينية ولكن “عيون الحساد والمتآمرين والخونة” كالعادة كانت لهم بالمرصاد فتم القبض على مجموعة منهم أمر سليمان باشا العظم بقطع رؤوسهم وإرسالها الى استنبول مما لا شك أثلج صدورهم ودغدغ مشاعر الحقد والنقمة على الشيخ ظاهر في قلوبهم. ولكن ذلك فشل في كسر شوكة المقاومين داخل أسوار طبريا وانسحب سليمان باشا وجيشه بحجة أن ذلك رحمة “بالمدنيين الأبرياء” وبأنهم أخذوا أحد أبناء الشيخ ظاهر رهينة عندهم. وهذه دائما أعذارالسفلة والساقطين بعد أن يعيثوا فسادا في الأرض “وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا!”

ولكن الظالم المستبد إذا جُرح وتمرّغت جبهته بالوحل يزداد طغيانا وحنقا بدل أن يعتبر، وهكذا كان حال سليمان باشا العظم. فبعد أن انقضى موسم الحج وتعافى الباشا من وعثاء السفروعاد المنافقون الى مضاجعهم حاملين معهم هداياهم ومسابحهم بين أصابعهم في سنة 1743 عاد الباشا بجيش جرار مدعوما بسفن حربية من الإمبراطورية فأخذ عكا ولكنه قبل أن يبدأ هجومه على مناطق الشيخ ظاهر العمر كانت يد القدرأعجل منه فأصابته حـُمـّى شديدة (أو يا ترى وصلت اليه يد الشبخ ظاهر وأسقته سـُمـّا) ومات وانفض الحفل، ولم يشف غليل الظالمين.

ما بين سنة 1740 وسنة 1760 لم يكن هناك من يتحدى الشيخ ظاهر العمر جديّا ، فأسعد باشا العظم الحاكم الجديد في دمشق تركه وشأنه وحذا حذوه الحكام والولاة الباقون. ففي سنة 1746 طلب الشيخ ظاهر من حاكم صيدا أن يسمح له بتولى جمع الضرائب في عكا فرفض فقام الشيخ بالسيطرة على عكا فأصبحت الطريق بين حقول القطن وميناء التصدير كلها تحت يد الشيخ ظاهرحتى أنه قررفرض سعر القطن مما أغضب فرنسا فاشتكته لأعلى السلطات فأوعزللمزارعين بالتوقف عن زراعة القطن فأذعنت فرنسا للشيخ ظاهر وقبلت بشروطه….

 خلقت هذه القوة الذاتية المستمدة من الشعب ووحدته وراء قائد شجاع ومخلص وصاحب رأي ومعتمدا على مقدراته ومصادره والثقة التي ولدتها وأرضعتها في نفس الشيخ ظاهرفرصة نادرة أمامه لاستكمال طموحاته فأصبحت تقريبا كل فلسطين كيانا مستقلا حرا كل مصادر انتاجه لسكانه يقوده أحد أبناءه.

كل هذا المجد أيها الناس كان من “القطن فقط” وليس الذهب ولا النفط ولا الغاز ولكنها الإرادة والإيمان بالحق والدفاع عنه بتصميم لا يقبل المساومة ولا التفاوض ولا بأنصاف الحلول والنسب المئوية. رجل حوله رجال وقف أمام امبراطورية في أوج قوتها بعملائها وأساطيلها وجنودها وانتصر!

 “منتصب القامة يمشي— مرفوع الهامة يمشي!” حوال

يتبع……

المراجع:

http://www.youtube.com/watch?v=TXIFjrP8fIc الجزيرة

The Arabs, A History by Eugene Rogan, 2nd Edition, Penguin Books (pages 56-67)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s