الصفح والمسامحة: الأفتكاك من قيود الأحقاد والمرارة

كتب هذا البحث مجموعة من خبراء عيادة مايو الأمريكية الشهيرة – مترجم

http://www.mayoclinic.com/health/forgiveness/MH00131

المقدمة

عندما يسيئ لك شخص يهمك أو قريب لك ، يمكنك أن تستمر بالشعور بالغضب والأستياء حتى أن أفكارابالأنتقام تتسرب الى مفرداتك – إلى أن يقضي الله… أو أن تختار وتحتضن الحلم والغفران والتحرك إلى الأمام. القرار هو قرارك ويتوقف على شخصيتك ومقوماتها من علم ومعرفة وإيمان وثقة بالنفس.

يكاد لا ينجو أحد من الألم الذي تسببه افعال أو أقوال الآخرين.  ربما حتى أمك قالت لك يوما أن معاملتك لأطفالك سيئة أو أن أحد زملائك في العمل أضاع عليك فرصة ترقية بتخريب مشروع كنت تقوم به، أو أن إبنه صفع إبنك أو سرق منه شيئا….  هذه الجروح لا تندمل بسهولة وتغرس في القلب الشعور بالغضب والمرارة و شهوة الأنتقام … ولكن …. إذا لم تغفر وتسامح وتقفز فوق جراحك ستدفع أنت وحدك ألثمن الباهظ كله.  أحتضانك خيار العفو والمسامحة والحلم والغفران هو احتضانك للأمل والسكينة والسعادة النفسية  والأمتنان.  تصوّر كيف ستقودك كل هذه المشاعر الأيجابية على طريق العافية والصحة الجسدية والعاطفية والرّوحية. .

ما هي المسامحة وما ذا يعني أن تسامح أو تغفر؟

عموم معنى المسامحة والمغفرة هو أن تتحرّر أنت من الشعور بالمرارة والغضب والنفور وألرغبة بالأنتقام.  من الطبيعي أن يصاحبك الألم من قول ظالم أو فعل جارح مدى الحياة ولكن المسامحة والمغفرة سترخي قبضة الألم على قلبك وتتيح لك فرصة التركيز على النواحي الأيجابية في حياتك. … وربما يتطور الشعور بالمغفرة والسماح الى فهم موقف ودوافع الآخر بحيث تقود هذه بدورها للتراحم والتعاطف مع من كان السبب في إيذاءك وجرحك!

المسامحة والمغفرة لا تعني أن تنسى أو تنكر مسؤولية الشخص الذي جرحك بفعل أو قول ولا تقلـّل ولا تبرر أبدا الخطأ والجرح الذي سببه لك.  من الممكن أن تغفر للشخص ولكن ليس الفعل الجارح أو القول المسيئ! المسامحة والمغفرة تعطيك الطاقة والسكينة والسلام النفسي لتوفر لك كل هذه ما تحتاجه لتستمر في العيش في هذه الدنيا منتجا ومبدعا وسعيدا.

ما هي فوائد مسامحتك لمن أساء إليك؟

قطع الحبل الذي يقيدك بالشعور بالمرارة والغضب سيحررك ويفسح المجال لمزيد من اللطف والأدب والمصالحة مع الذات ويخلق فضاء أوسع للكثير مما يلي:

·       علاقات أكثر صحية وانفتاحية وثقة وشفافية

·       ِشعورا أعمق بالغنى الروحي والعاطفي

·       ألتخلص من الكثير من القلق والضغط النفسي والعدائية

·       انخفاض ضغط الدم

·       زوال معظم أعراض ألأكتئاب

·       التخلص من العبوس وتقطيب الوجه والنكد واستبدالها بابتسامة وانشراح المحيّا

·       فقدان الحافز لتعاطي اية عقاقير أو كحول أو مخدرات

وللمزيد من فوائد المسامحة والصفح وأثرها على الصحّة نشرت مجلة كلية الطب في جامعة هارفرد قائمة بهذه الفوائد المهمة على رابطها:

http://www.health.harvard.edu/press_releases/power_of_forgiveness

لماذا نجد من السهل تخزين الغضب و الرغبة بأخذالثأرأوالأنتقام؟

عندما يؤذيك ويجرحك أو يغدر بك من كنت تعتبره الصديق العزيز عليك وموضع ثقتك سينتابك لا شك الشعور بالغضب، او الحزن ، أو الألتباس وعدم التصديق.  فإذا استحوذت هذه المشاعر على مساحة واسعة من وجدانك وأفكارك ،ستضرب جذور النفور والمرارة والشهوة في الأنتقام في أعماقك وتبدأ بالتمدد حتى تطرد الأفكار النبيلة ومشاعر الجمال في داخلك وستجد نفسك في بحر من المرارة والأحساس بالظلم، تعلوا بك أمواحه وتهبط  حتى تغرق من التعب والمقارعة في دوامة تكبر حتى تطغى على ما حولها.

ما هي آثار إبقاء الشعور بالغضب والمرارة في القلب على فعل ما أو قول مضى؟

إذا كنت ممن لا يعرف العفو والود قلبه ستدفع الثمن لهذا المخزون مرات ومرات باستحضارك المرارة والغضب إياهما في كل علاقة أو تجربة جديدة. ستصبح كل حياتك حزمة ثقيلة معلقة من رقبتك تحرمك من متعة الحياة في الحاضر لأنك مربوط بحبل أوله حول رقبتك وآخره في الزمان الماضي مربوط حول مظلمة أو قول جارح غالبا ما نسيها صاحبها منذ زمن بعيد.  من المتوقع تحت وطأة هذه المشاعر أن تبدأ بمعاناة من الأكتئاب أو القلق وحدة الطبع أو أن حياتك تبدأ تفقد المعنى ووضوح الهدف أو الحافز لملاحقته ، مما يقود الى انفصام بينك وبين إيمانك ومعتقداتك فتفقد الثقة بنفسك وقدراتك  وهنا تبدأ بفقدان متعة التواصل والتداول اللذان يثريان علاقتك وتجربتك الأنسانية مع الآخرين.

كيف إذن الوصول الى حالة من المسامحة والصفح والغفران؟

الصفح أو المسامحة والغفران هي الــتــزام بالتــغـيير، ولتبدأ بهذا التغــيـير عليك أن تقوم بالتالي:

·       تصوّر وخذ بعين الأعتبار قيمة الصفح والمسامحة وأهمية دورها في حياتك في لحظة من اللحظات.

·       راجع بوعي وجدّيّة الحقائق حول الحدث أو ما جرى لك أو عليك، وكيف كانت ردود فعلك عليه وكيف أثرتا (الحقائق وردود الفعل) على سير حياتك وصحتك ومزاجك ونظرتك للآخرين وللناس بشكل عام.

·       عندما تشعر بأنك مستعد قـرّر أن تغفر للشخص الذي أساء لك

·       ابتعد عن ممارسة دور الضحية وتحرر بالأنفلات من سيطرة ونفوذ الذي أساء إليك ومن أثر فعلته ودورها الذي لعبته في حياتك كل هذا الوقت.

 

وهنا عندما تبدأ يد المرارة والغضب ترخي قبضتها عن وجدانك وذاكرتك ستبدأ بتعريف نفسك دونما صبغها بصبغة التجربة المؤلمة التي مررت بها ودون إدخالها دائما في إطار أية علاقات جديدة.  في كثير من ألأحوال كل هذا التغيير يقود الى توسعة فضاء الحلم والمحبة والتفاهم مع كل الناس و حتى التعاطف مع من ظلمك.

وإذا لم أستطع أن أصفح أو أغفر لشخص ما ؟ ماذا سأفعل؟

  

الصفح عمن ظلمك أو أساءاليك ، مثل كل فضيلة تقطن وراء جدر من التحديات والمصاعب مثلها مثل الصدق وقول الحق والصبر على المكاره والبذل والأيثار والعدل. وتتضاعف هذه التحديات عندما يرفض الشخص الذي ظلمك بالأعتراف بذنبه ناهيك عن الأعتذار عن قوله أوفعله.  إذا وجدت نفسك في مثل هذا الموقف و قد غصت في حفرة موحلة، ربما تود أن تتبادل في مخيلتك المواقع مع المسيئ اليك وأن ترى الأشياء من زاوية نظره وان تسأل نفسك ما الذي دعاه أن يقول ما قال أو يفعل ما فعل.  ربما تحت نفس الظروف لقلت نفس ما قال وفعلت ما فعل.  وإضافة إلى هذا فإنه من الحكمة أن توسع مجال نظرك وحقل رؤيتك وفكرتك عن العالم وعن الكون وما فيه.  توقّّع من البشر حولك أن يزلوا وأن يضلّوا بين الحين والآخر، و توخى الصدق بأن تتذكر أنك كإنسان لابد أنك أخطأت في حق آخرين يوما ما وسامحوك وعفوا عن خطأك.  ومن ناحية عملية ستجد أن كتابة تجاربك ومشاعرك في مذكرات خاصة بك ، أو تمارس التفكر أو الصلاة أو مناقشة الأمر مع شخص تثق به وبحكمته وتعاطفه وسعة قلبه مثل صديق لا يجاملك ويسدي لك النصيحة الصادقة.

وهل الصفح والمسامحة تقود بالضرورة للمصالحة وطي صفحة الماضي؟

إذا كان الشخص الذي أساء اليك مهم بالنسبة إليك وتعزه و كنت دائما  تقدره لولا ما حدث بينكما ما حدث فستتم المصالحة وتأتي المسامحة أكلها على خير وجه.  ولكن ذلك لا يحدث كل مرة ولا تحت كل الظروف.  تستحيل المصالحة مثلا إذا مات الشخص أو رفض رفضا قاطعا أن يتحدث معك، وهناك حالات لا تجوز عندها المصالحة وليست الحل الأمثل ولكن حتى في مثل هذه الحالة  النادرة فإن المسامحة والصفح الجميل والعفو والمغفرة تظل كلها ممكنة وخيارا مفضلا — حتى عندما لاتتم المصالحة.

ماذا أفعل إذا كنت مضطرا للتعامل بطريقة أو بأخرى ضد رغبتي مع من ظلمني أو أساء لي؟

إذا كنت لم تصل إلى مرحلة المسامحة والصفح ووجدت نفسك قريبا أو في نفس المكان مع من أساء إليك فإن ذلك لا شك سيكون مصدر ذكرى مؤلمة واحتقان في المشاعر وتوتر للأعصاب.  للتعامل مع مواقف كهذه يجدر بك أن تتذكر أنك كنت قادرا على تجنب هذه الفعالية اتي أدت لهذا اللقاء غير المحمود بالنسبة لك.  أحترم نفسك وتصرف بما هو مقبول وصحيح. وإذا قررت أن تشارك في فعالية ما مثل التي تجمع بينكما فالأجدر أن تتوقع بعض شد الأعصاب والغضب المخزون والذي يعبر عن وجوده بالعرق أو التوتر أو طحن ألأسنان.  في هذه ألأحوال حاول ما استطعت أن تبقي قلبك مفتوحا وعقلك مهيأ للأستقبال فربما ستجد في تجربة كهذه عاملا مساعدا وحافزا قويا للمسامحة والعفو والمغفرة والقفز للأمام بحياتك.

وماذا إذا لم يُحدث ما قمت به من مسامحة ومغفرة أي تغيير عند من أساء لي؟

تغيير سلوك شخص آخر أو لغته أو تصرفاته ليست الهدف ولا نقطة ارتكاز المسامحة والمغفرة.  خذ المسامحة والصفح الجميل من زاوية أثرها على مجرى حياتك أنت – وكيف ستجلب لك السلام مع نفسك والسعادة والثقة بالنفس والشفاء العاطفي والروحي من الجرح الغائض. والمسامحة فوق كل ذلك ستسحب البساط من تحت قدمي المسيئ وتجرده من سيفه الذي يبقيه مجردا من غمده ومصلتا فوق رأسك دون أدنى جهد منه!

طيب! فما الحل عندما أكون أنا الذي بحاجة للمسامحة من شخص أسأت له؟

الخطوة الأولى هي أن تتوخى الصدق بينك وبين نفسك وأن تقيّم ما حدث وتعترف بما قمت به من سيئ القول أو الفعل وكيف أن ما فعلت كان السبب في إيذاء وجرح الآخر.  ولكن في نفس الوقت لا تكن ظالما لنفسك أو أن تحمّلها فوق ما تستحقه من اللوم أو التقريع الذاتي، فأنت إنسان ولست نبيا معصوما أو ملاكا وعليه فإنك ستخطئ. فإذا شعرت بالأسف صادقا  فاطلب المسامحة مباشرة وبكل تواضع و بدون مواربة أومبررات أو تعليلات لأن ذلك سيلغي كل نواياك الحسنة.  ولكن تذكر أنك لا تستطيع إجبار الآخر على مسامحتك فهم وحدهم القادرون على مسامحتك بمحض إرادتهم وبما يمليه عليهم ضميرهم.  وبغض النظر عما يجري فإنه يجدر بك أن تلتزم بمعاملة الآخرين باحترام ومحبة وتعاطف وأن تلاقيهم وتحييهم بابتسامة مخلصة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s