ظاهـرة فلسطينية كان إسمها ظاهر العُـمَـر(4 والأخير)

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ… (هود)

لم يكن الصمود واردا ضد الجيش المملوكي الموحّد فدخل دمشق في حزيران / يونية 1771 وبذلك أصبحت مصر والشام والحجاز تحت سيطرة علي بك الكبير وأصبح حلمه في استعادة العهد المملوكي على مرمى سهم! ولكن القدر تدخل مرة أخرى من حيث لم يحتسب له أحد وبدون أي إنذار أوسبب معلن بدأ جيش المماليك بقيادة محمد أبي الذهب بالإنسحاب من دمشق والعودة الى مصر. ولم يصدّق أهل دمشق ما يجري من حولهم ولا طاقة لهم بفهمه إلا ترديدهم “قلب المرء بين إصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء!”

لا يذكر المؤرخون كثيرا عن أسباب انسحاب أبي الذهب المفاجئ ولكن معظمهم عزوه إلى “غسيل المخ” الذي قام به إسماعيل ذو الخلفية الدينية والأنبهار بالسلطان العثماني الذي عرفه شخصيا في استانبول. فربما استمال أبا الذهب قولُ إسماعيل له أن الإنسحاب سيكون في ميزان حسناته يوم القيامة وسيُرضي ربه وسيكون محظيا عند السلطان “إذا كمّل معروفه وأطاح بعلي بك الكبيروأعاد مصر إلى الحظيرة السلطانية!”

 فقام الصديقان الحميمان بطرد علي بك الكبير الذي هرب و لجأ الى صديقه في عكا – الشيخ ظاهر العمر، وأصبح ابو الذهب حاكما لمصروبدلا من المطالبة بالإستقلال مثلما كان متوقعا وقادرا عليه ، أرسل أبو الذهب صديقه إسماعيل للخليفة العثماني ليقره حاكما لمصر لا أكثر.

لم يحتمل علي بك ما جرى له على أيدي ضباطه وأقرب الناس اليه فقام على رأس جيش صغير ليسترجع عرشه في مصر، وكانت عملية “استشهادية” في الواقع وردة فعل اليائس، فجُرح في المعركة وتم أسره واقتاده أبو الذهب لبيته ومات بعد ذلك بأسبوع إما بجرح غائر أو بكأس من السم المعتق كما دأبت العادة عند المماليك وغيرهم!

دخل الشيخ ظاهر العمر العقد الثامن من عمره عند موت حليفه علي بك الكبير والآن وجد الشيخ نفسه كالسيف فردا ومـُثـلـّما يواجه غضبة إمبراطورية وحقدا دفينا. نحن الآن في بداية سنة 1774 والحرب الروسية التركية أوشكت أن تنتهي، واستتب الحكم في مصر وبلاد الشام للعثمانيين وآن الأوان لإعادة النظر في أمرهذا الشيخ الثائر الأشم. فقال له حاكم دمشق بلسان الواثق مما يقول انه سيتولى حكم صيدا وشمال فلسطين وسيصدر “فرمان” سلطاني بتعيينه رسميا في القريب العاجل.

وانتظر الشيخ ظاهر العمر صدور الفرمان وتم توقيع معاهدة سلام بين روسيا وتركيا في تموز / يوليو 1774 ولم يصدر الفرمان….

آن وقت الحساب! السلطان الآن تفرغ للمعارضين العرب وعلى رأسهم الشيخ ظاهر العمرفلم يكن لديه المزاج ليستضيف الشيخ كأحد ولاته أو يقربه اليه بعد أن تحالف الشيخ مع الروس ضده، فأمر السلطان أبا الذهب أن يذهب على رأس جيشه وينهي الشيخ ظاهر العمر وظاهرته الى الأبد. اكتسح الجيش المصري يافا وقام بمذبحة بشعة وعاث فسادا  فيها ، في مايو 1775. انتشر الرعب في المناطق التي كانت تحت سيطرة الشيخ ظاهر العمر وغادر أهل عكا المدينة فاحتلها محمد أبو الذهب في مطلع يونيو.

 (يبدو أن هناك أشهر حرم وأشهر نحس عند الفلسطينيين- مايو ويونيو).

كل هذا كان يحدث على أرض فلسطين وحقول فلسطين وموانئ فلسطين قبل أن تصبح أمريكا دولة ذات سيادة ورغم ذلك لا تزال تسمع سخافة القول بأن فلسطين كانت أرض بلا شعب حتى بعد 200 سنة من التاريخ الحافل بمثل هذه الأحداث الجسام.

“هل هذه كرة أرضية أم وكر ذئاب؟” (مظفر النواب)

عكا… يا عكا… يا مقبرة الغزاة!

في العاشر من يونيو أي بعد احتلالها بأيام أصيب محمد بك أبو الذهب “بلعنة عكا” الحمّى نفسها التي قضت على من سبقه ومات.  فعاد الشيخ ظاهر العمر اليها وأعاد الأمن والإطمئنان الى ربوعها ولكن الى حين. فقد أرسل العثمانيون أسطولا من خمس عشرة سفينة بجندها وعتادها بقيادة حسن باشا قائد البحرية العثماني، مُصرّين على أن يستسلم الشيخ ظاهر العمر وأن يدفع كل ما عليه من ضرائب.

اجتمع الشيخ ظاهر العمر مع مستشاريه وقال لهم أن السنّ أخذ منه كل مأخذ ولم يعد بمقدوره القتال، فأقرّه خاصّته على قراره وحسّنوه في نظره من أنه لا يجوز للمسلم قتل أخيه المسلم وعليه طاعة السلطان وأولي الأمر. فشدّ الشيخ حبال الرّحيل ومعه عائلته من زوجات وجواري وأطفال ليقضي بقية حياته في كنف أصدقائه الشيعة في جنوب لبنان.

وحتى هذه النهاية اللطيفة النظيفة نوعا ما استكثرها أعداؤه عليه فقام ابنه “عثمان” بخيانته حيث أعتقد أن والده “الثعلب الماكر” يخطط لشيئ ما  فاستدعى أحد قواد والده من المرتزقة الأفارقة الذين كانوا يبيعون مهاراتهم في القتل لمن يدفع أكثر وكان اسمه “الدينيزلي” وقال له إن كان يريد الجنة ويفوز برضى الله وأن يكون محظيا عند حسن باشا فليقم بمشيئة الله وينهي أمر الشيخ الذي كان يحضرأهله وخيله للرحيل. فقام الدينيزلي مع مجموعة ممن يثق بهم من جنوده من الشمال الإفريقي فاختطفوا إحدى النساء من بيت الشيخ لتكون “الطعم” لصيد الشيخ ظاهر. فلما وصل الشيخ ظاهر أطراف المدينة أحصى من معه فافتقد الفتاة من بينهم، فعاد ليحضرها دون وعي منه أو سوء ظن. فلما وصل منزله كانت واقفة بانتظاره فمد اليها يده لتمتطي فرسه خلفه فجرّته هي من فوق فرسه الى الأرض فخرج الدينيزلي والمرتزقة من مخبئهم وانهالوا عليه طعنا بسيوفهم وخناجرهم حتى فقد الحياة.

ولكن آمال الدينيزلي الكبيرة بأن يثني عليه حسن باشا ويقلده النياشين ويقربه منه تلاشت قبل نهاية اليوم ، فقد أمر حسن باشا أن يتم غسل وتنظيف وتطهير رأس الشيخ ظاهر العمر الذي جاؤوه به ووضعه أمامه متفكرا في حياة الرجل صاحب هذا الرأس وقال “إني أحسب أن الله لن يغفر لي إذا ما فشلت في أخذ الثأر لعمر منك” وأمر حرّاسه فأخذوا الدينيزلي وخنقوه ورموا بجثته الى البحر.

كبف غاب عن بال الشيخ ظاهر العمر أن “المرء يؤتى من مأمنه” ولكن كيف يتاتـّى لأب أن يرتاب في ولده؟ ولكن ألم يكن بروتوس بمكان الإبن للقيصر وكان أول من غرس الخنجر في قلب قيصر؟ ومن الذي دسّ السّمّ في (الفلافل أو الشورما أو شوربة العدس) للختيار أبي عمار؟ لابد أنه كان ممن “يبوسه – البوّاس” ويأخذه بالأحضان كلما سلّم عليه! لابد أن القاتل كان ممن يتبرّك بماء وضوءه من الذين دللهم وأغدق عليهم النجوم والألقاب!

 لقد تقلّب على كراسي دمشق والقاهرة عدة حكام والشيخ ظاهر العمر في مكانه! لماذا لم يستطع خلق نظام يتيح الإستمراريه والإستدامة حتى لو كان وراثيا كبني أمية أو المماليك أنفسهم؟ لماذا لم يكن هناك في الصف الثاني أو الثالث من قيادته من يحمل الراية ويكمل المشوار؟ لماذا استكثر العثمانيون على رجل كهذا أن يقروه واليا واستراحوا من مقارعته كلما وشى به حاسدوه في البلاط السلطاني؟

وكيف نفسّر انسحاب الجيش المملوكي مرتين من دمشق وقاموا بعدها بالإطاحة بحاكم قوي دموي صاحب كاريزما مثل علي بك الكبيروهو سيدهم؟ هل هناك أقدار مكتوبة لا مفر منها مثل ليل النابغة الذبياني في قوله للنعمان: “وأنك كالليل الذي هو مدركي*** وإن خلت أن المنتأى عنك واسع؟

هل هذا الكون كسفينة نوح يسكن البشر كلهم في جوفها في صراعاتهم واختراعاتهم ودياناتهم وأهوائهم وحبهم وكرههم يحسبون أنهم بيدهم “عصمة أمرهم” ولكن السفينة تمخرعباب هذا الكون غيرعابئة بما يجري في جوفها، في وجهة لا أحد يدركها ولا أين مرساها؟ وما معنى كل هذا؟ ولأيّ هدف؟

المراجع:

http://www.youtube.com/watch?v=TXIFjrP8fIc الجزيرة

The Arabs, A History by Eugene Rogan, 2nd Edition, Penguin Books (pages 56-67)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s