…..والجهل يهدم بيوت العـزّ والكرم / محنة التعليم في الوطن العربي

 

“من أسباب وجود أعداد هائلة من الفقراء العرب هو نظام التعليم المتعفـّن” (مجلة الإيكونوميست)

“العالم العربي فيه أكبر نسبة بطالة بين الشباب في العالم” (تقرير مكنزي في 4/2011)

“معظم العالم يحتقر العرب لجمعهم بين الثراء الفاحش والتأخر القاتل مما يجعلهم أكثر خطرا على أمن العالم” (من التقرير السنوي 2002 لليونسكو)

“تحت الحكم الصالح الفقرعيب.  تحت الحكم الفاسد الثراء عيب” (كونفوشيوس)

كل الدراسات تكاد تجمع على أن ليس هناك رابط وثيقلا بين الإنفاق على التعليم وجودته أو مستواه ولا بين الدخل القومي للفرد من ناحية، والمقاييس الدولية المستخدمة في تقييم التعليم والمعرفة ن ناحية أخرى.  فبلد مثل غينيا بساو بدخل أقل من 600 دولار للفرد تتفوق على ليبيا بدخلها الذي يزيد على 16,000 دولار للفرد حسب نفس المقاييس. وكذلك لا يبدو أن استخدام مقررات غربية في المناهج التعليمية، أو فتح فروع لجامعات عريقة في بعض العواصم العربية، أو استخدام أدوات تكنولوجيا حديثة مثل (الآي- باد)، قد أدى الى قفزة نوعية في مستوى المعرفة أو تسجيل أثرملموس على التعليم أو البطالة أو الإبتكار أو الزراعة أو عدد الكتب المؤلفة أو المترجمة. ربما لا يزال الوقت مبكرا لإصدار هذا الحكم الفجّ على الوضع القائم ولكن التقدم إن حدث فهوعلى بطء شديد ولا يجاري تضخم المشكلة في المجتمع أو السوق فهي أسبق وأكثر ترسخا واستفزازا.

قبل البحث عن حل أو عن مخرج من هذه الورطة المزمنة والمتفاقمة من الأجدى أن نحدد المشكلة بدقة متناهية وهذا لم يحدث بطريقة مهنية موثقة إلا عبر تقارير مبنية على استبيانات وجداول وفحوص أممية.  كل هذه الوسائل يضعفها ويجافيها عن الموضوعية كونها هجينة ، منقولة، وغير قابلة للذوبان والإمتصاص بصورة طبيعية. ألأسئلة جافة في ترجمتها الحرفية والأجوبة المتاحة ذات خلفية أجنبية الذوق والمعنى فالنتيجة غالبا ليسة دقيقة ولا تعبـّر بالضرورة عن الصورة الحقيقية. ولكن رغم الضبابية حول تعريف المشكلة إلا أن هناك شبه إجماع محلي وإقليمي وقومي ودولي على أننا كمواطنين في هذه البقعة من العالم بين الأطلسي والخليج العربي نواجه أمرا جللا لا يحتمل التأخير أو التبسيط.

لقد أدلى بدلوه في هذا الأمر بل أشبعه بحثا من هو أكثر مني خبرة فيه وأزخرعلما، منهم فقهاء في التربية وأصحاب مؤلفات وأساتذة فسأختار أهم أطروحاتهم وأقومها في رأيي منطقا وأعمقها فكرا و أمتنها حجة.

هناك أربعة محاور ليس من الحكمة تجاهلها أو القفز عنها لأنه يستحيل إحراز أي تقدم ذي قيمة بدون التعامل بجدية وكفاءة معها وهي :

محور الهويةأو مجموع القيم والعادات والمعتقدات واللغة التي يتم من خلالها برمجة عقل الأمة في أفعالها وأقوالها

محور الرؤيا التي بدونها “كله ماشي وكل الطرق تؤدي له” فيجب أن يكون هناك نجم ساطع في الأفق تصبو الأمة إليه تتوحد خلفه الجهود وتكرس نحوه الموارد.

محور الأستراتيجيةالتي يجب أن تتوفر كخارطة طريق وبرنامج عمل

محور الحالة النفسيةالراهنة التي تتسم بالأسترخاء وغياب الإحساس بأن هناك حاجة ملـحـّة تدعو للحركة والتفرّغ لتنفيذها

 

محور الهوية:يقول جيمس ستيجلر، بروفيسور علم النفس في جامعة بيركلي في كتابه الفجوة في التعليم –معظم الإصلاحات التي ترعاها الدولة في مجال التعليم فشلت لأنها لم تلامس ولم تغيـّر شيئا في المخزون الثقافي أو الهوية التي فيها ومنها يبدأ التغيير الحقيقي!”

فإذا كان هذا شأن التعليم في أمريكا فماذا نقول عن شأنه في وطننا؟ كل تغيير لا يأخذ بعين الأعتبار هويتنا العربية الإسلامية بما فيها من إيجابيات وسلبيات وتعريب وليس فقط – قص ولصق – المعلومة والمعرفة لتسهيل هضمها على المتلقـّي وعلى المُعطي لها فهو مضيعة للوقت وللجهد. حق المواطنة حق مقدس لكل فرد في المجتمع كرديا ، عربيا ، أمازيغيا، مسلما ، مسيحيا ،أو يهوديا وليكن المحك ليس شهادة الميلاد ولكن شهادة السلوك والإخلاص و”قيمة كل امرئ ما يـُحسنه!”

اللغة هي وعاء المعرفة ووسيلة نقلها. هل يعقل أن تتاح الفرصة للصيني أن يدرس بلغته والروسي بلغته والياباني بلغته والفنلندي بلغته والعربي يدرس بالإنجليزية أو الفرنسية التي لا يجيدها إلا ما ندر وخصوصا في الصفوف الدنيا؟ هل العربية بهذه الصعوبة أن تعجز أن تكون وعاء معرفيا لأصحابها؟  من الواضح ان العجز ليس في اللغة العربية ولكن في العرب أنفسهم. وكأننا نحاول تناول الشوربة من صحن كله ثقوب.  من تجربتي الشخصية رأيت كيف يضطر الطالب أو الطالبة على ترجمة المقررعليهم (وهو بالضرورة الحد الأدنى) بقلم رصاص وبخط يكاد لا يرى بالعين المجردة بين كل سطرين في كتاب “التسويق” مثلا والذي تزيد صفحاته عن 440 صفحة.  الذي يدّعي أن الطالب قد استوعب المعلومة بهذه الطريقة فهو شاهد زور. كيف وأين إذن سيجد الطالب الوقت للبحث والتوسع في المعرفة خارج المقرر مما تنشره مراكز الأبحاث في مجال دراسته؟  وعليه فإن الطالب يركز همه وجهده على العلامات وليس على التعليم، على الإمتحان وكيف يتفادى السقوط وليس على المعرفة والتمكن من المادة.  كل الجهود خارج هذا المحور هراء … فالعبرة في النتائج فانظر ماذا ترى؟

 “على كل صبّ من هواه دليل….سقام على حرّ الهوى ونحولُ!!”

 

محور الرؤيا:”إذا كنت لا تدري إلي أين ذاهب ** فكل طريق نحوه ستقود!!” وكذلك فإن الإستمرار في القيام بعمل ما بنفس الطريقة و بنفس المواد والأسلوب وانتظار نتائج مغايرة لما دأبت على الحصول عليه لهو غباء ما بعده غباء. فما هو الهدف القومي والمحلي من التعليم؟ وإلى ماذا نصبو من وراءه؟ هل هو السوق مثلا؟ هل هو محاولة اللحاق بالدول الصناعية؟ هل هو تحسين الزراعة؟ ما هو المقعد الذي نطمح التربع عليه بعد عقد من الزمان أو عقدين؟

عندما أحسـّت أمريكا في الستينيات من القرن الماضي أن الفجوة بينها وبين الإتحاد السوفياتي في علوم الفضاء واسعة والفتق يحتاج الى رتق قبل أن يـٌعجز الراتق،  أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك – جون كنيدي – وبالتحديد في 25/5/1961 “على هذه الأمة أن تلزم نفسها بأن تضع إنسانا على سطح القمر وأن تعيده سالما إلى الأرض قبل نهاية هذا العقد!” وبقية القصة تاريخ.  وكذلك قال هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد بين 31/8 و2/9 من عام 1897 في بازل سويسرا بأن على الصهيونية “السعي لوطن قومي لليهود في فلسطين خلال الخمسين سنة القادمة….” وهكنا تمّ!

ما علاقة هذا بهذا أوذاك؟ ما أريد التركيز عليه أن القرار في الحالتين كان قرارا من أعلى السلطات والقراران  كانا شديدا الوضوح وأجابا على: ماذا وأين ومتى؟ وتركا الإجابة على “كيف” للمتخصصين ولم يبخل أصحابهما بتوفير اللازم للتأكد من تذليل كل صعب أمام المشروعين!

فأين الرؤيا التي يجب أن تكون على لسان كل فرد في هذا الوطن وأن تتخذ مجرى الدم في العروق حتى يتم تحقيقها؟ وإلا “فكل ما فوق التراب تراب!!”

محور الأستراتيجية: كل هدف لا يرتبط بخطة عمل يظل رهين المحبسين: هلوسة وإحباط . “إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة*** فإن فساد الرأي أن تترددا…”

لقد تم احتلال فلسطين وتهجير معظم أهلها في سنة 1948 وأُعيدت المسرحية التراجيديا بإخراج جديد سنة 1967 ولا يزال مليون ونصف المليون منهم يعيشون في 58 مخيم للاجئين في عدة دول.  وبعد مضي 65 سنة على ذلك الحدث المؤلم هل سمع أحد أن نظاما عربيا قوميا كان أو أمميا أو إسلاميا لديه إستراتيجية لتحرير فلسطين؟ فليس غريبا إذن أنها لم تتحرر.

وكتابة استراتيجيات منمقة بديباجات تفوق ديباجة ابن المقفع ل”كليلة ودمنة” لا تقدم بل تؤخرإذا بقيت على الرف أو في داخل الحاسوب.  فكل الدول العربية مثلا لها دساتير وغنية جدا بمواد عن دين الدولة ولغة الدولة وحكم القانون وحقوق المواطن ولكن التقيد بالدستور شيئ وكتابته شيئ آخر. من أهم أسباب فشل الأستراتيجيات والخطط الخمسية المتعددة أنها في معظمها مرتبطة بأشخاص وليس بمؤسسات وتفتقد لآليات التطبيق واتباع الأولويات وغياب خطط تنموية شاملة لربط التعليم بالتنمية وسوق العمل والمجتمع، بالإضافة الى ضعف أو حتى غياب تام للمشاركة المجتمعية الفعلية وليس مجرد اتصال هاتفي بالراديو باعتبارها من اختصاص المسؤولين فقط.

 ألإستراتيجية الفعالة يجب أن تحدد معالم الطريق والتأكد من المحطات والزمن المتوقع لوصولها. الأستراتيجية تستدعي ترابط كل المحاورمع بعضها البعض حتى لاينتهي الأمر بما كان عليه الإتحاد السوفياتي: براعة في الإنتاج الحربي وعجزعن بناء ثلاجة أو بوتوغاز يسعد ربات البيوت، ناهيك عن بناء حواسيب تضاهي ما كانت تنتجه معامل آي.بي.إم مثلا. فالإقتصاد والصحة والطاقة والمواصلات والحريات وسلطة القانون والعدل والأمن يجب أن تتقدم كلها بشكل موازي للتعليم حتى تنهض الأمة على دعائم صلبة وثابتة.

أما الحالة النفسية التي تعبر عنها اللامبالاة و”قلة الأدب” وعدم تحمل المسؤولية والإتكالية في معظم نواحي الحياة فيجب ان نستبدلها بنواقضها من الإيثار وأن يكون الفرد مسؤولا عما يفعله والحرص على حماية المال العام من نظافة الشاطئ الى الحفاظ على المقاعد المدرسية. إن الشخصية السوية التي تتمتع بالحلم والصدق والشجاعة والحكمة والصبروالإخلاص والمعرفة والتفاني في العمل بضمير حي وقلب رحيم أهم بكثير من الإستراتيجية.

ولتحقيق الهدف الذي نحن بشأنه في رفع مستوى نظام التعليم على أرض كل الوطن يجب أن يأخذهذا الهدف موقعه المتقدم على سلم الأولويات فالزمن ليس في صالحنا عندما يكون 67% من السكان دون سن ال29! أي أن الغالبية العظمى هم أيضا أكثرنا انتاجية لأعداد المستهلكين وأقلنا مساهمة في سد حاجات هؤلاء المستهلكين ببطالة في صفوف هذا الجيل تزيد عن 48% في بعض الأقطار ولا تقل عن 15% في أوفرها حظا!!

البقية كما يقولون تفاصيل وقرارات سياسية على أعلى مستوى ووضع هذه القرارت موضع التنفيذ. 

 

مراجع

http://mckinseyonsociety.com/education-for-employment-realizing-arab-youth-potential

د. عبد العزيز الحر 2003 التربية والتنمية والنهضة – كتاب فائز بجائزة مكتبة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني العالمية – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر- بيروت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s