بعض الثوابت لا تثبت طويلا أمام العقل والخبرة الإنسانية

“المسافة للمستقبل يقطعها كل منا بسرعة 60 دقيقة في الساعة بغض النظر عن أصله وفصله أو أي عمل يقوم به”…(سي.إس. لويس)

“الوقت هوذلك الجدول الجاري الذي أذهب لصيد السمك فيه” …(هنري ديفد ثورو)

“نعمتان مغبون بهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.” (حديث شريف)—-  وما الصحة إلا العافية والطاقة وما الفراغ إلا فائض الزمن

“إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى” (طه-15)

“الشغل = القوة * المسافة * جتا الزاوية و”القدرة = الشغل/الزمن” (قواعد فيزياء)

مقدمــة

ثلاث من الثوابت التي ترسخت في عالم التجارة والإدارة خلال الخمسين سنة الماضية على الأقل، بدأت قواعدها تتآكل وتفقد بريقها حيث لم تعد تفي بالحاجة التي تبلورت من أجلها وهذه هي: “إدارة الوقت“…. ونظرية التخطيط  ثلاثية ألأبعاد العامة : “إستعد… سـدّد…أطلق!” ودراسات ” التصميم نحوالكفاءة  القصوى في الحركة والوقت.”

من المهم أن نواكب هذا التغيير مبكرا وأن نستوعب ما سيترتب عليه وأن نسعى لرصد البدائل واللحاق بالركب فهما واستيعابا وتطبيقا. فقد كان القوم قد قطعوا أشواطا بعيدة في “الجيل الأول” من هذه المعارف قبل أن تصلنا مترجمة أو مشفّرة أو عسرة الهضم.  لا نريد أن ننتظر حتى تمر عنا ومن فوق رؤوسنا فيأتينا “المستشارون الأجانب” ببضاعىتهم القديمة ويبيعونها علينا كآخر ما توصل اليه العلم ولا نكاد نلتقط أنفاسنا من الأنبهار حتى نبدأ اباللهاث من جديد وراء ما يستحدثه القوم ونحن عنه غافلون.

والأمثلة على ذلك كثيرة مثل : ورشات العمل ، العصف الذهني ، فييدباك، ون- ون،  وتحاليل سْوات، وسْمارْتْ جول… وغيرها مما يغشى العقل، ويعسر الهضم، ويمسخ اللغة،  وتخرج هذه في الغالب كما دخلت تاركة خلفها ظلالا باهتة فوق مساحات شاسعة من الأرض اليباب.

إدارة الوقت:

كانت هذه من أكثر الأساليب في الإدارة رواجا وكُتبت حولها الكتب وأقيمت لها ورشات العمل وأدلى كل ذي حبل في بئرها بدلوه. ولا بد أن القارئ قد أثرى “رزنامته” الإلكترونية بالمواعيد والواجبات وقوائم ما يجب إنجازه من مهمات خلال اليوم. وكم من مُحاضر استحـثــّنا على أن ندقق في ال 86400 ثانية من كل يوم فيما نقضيها وكيف نحتسبها ونستحلبها لآخر قطرة من ضرعها.

هذا كان في الماضي! الآن لم يعد الوقت، على أهميته طبعا، أهمّ عامل علينا أن نحسن إدارته، ولم يعد يحتل المركز الأعلى على رأس قائمة واجباتنا، فلقد حلّ محله ومنذ 2003 على ألأقل تعبير جديد هو “إدارة الطاقة!” فالفرضية حسب ما ورد في كتاب “قوة الإرتباط أو الألتزام الكامل – إدارة الطاقة – وليس إدارة الوقت – هوالآن مفتاح الأداء المميز والأبداع وتجديد النفْس” تأليف جم لوهر وتوني شوارتز. وأعتقد أن لذلك ما يبرره فطرح الكتاب يبدو مقنعا ومنطقيا…. ولكن اقرأ ما يلي واحكم بنفسك.

لماذا الطاقة؟

لنفترض أنه يتوجب عليك أن تكون في أبو ظبي في العاشرة صباحا وعلى عادتك صحيت مبكرا في الخامسة وأمامك وقت طويل، فجلست لمراجعة رسائلك ومواعيدك على حاسوبك في دبي. داهمك الوقت فإذا بالحاسوب يستصرخك بأن تبدأ رحلتك  على متسع من الوقت فالساعة الآن تشير الآن الى السابعة والنصف. وما أن وصلت الإشارة الضوئية حتى أشعل الضوء الأحمر فبدأت تجول بنظرك في العدّادات والمجسات وإذا بخزان الوقود يشير الى المحطــّة ، و لكن الساعة تشير الى الثامنة. عندك سعة من الوقت ولكنك لن تذهب بعيدا على ما بقي لديك من طاقة! فما جدوى احترازك في الوقت وتفريطك في الطاقة؟ مكانك قف!

ربما يكون هذا المثال تبسيطيا ولكنه يوضح الدور الذي ممكن أن تلعبه الطاقة الشخصية في الحياة اليومية.  تذهب بكل همة ونشاط للمشاركة في اجتماع الثامنة مع فريق عملك وتشارك بفعالية وحسن استماع وطرح الأسئلة ولكن بعد ثلاث ساعات من الأخذ والرد على بنود الميزانية تبدأ بالإحساس بهبوط ملحوظ في مستوى حماسك وفتور همتك وقدرتك على التركيز.  وكعادتك يومك الحقيقي لا يقل عن 12 ساعة عمل من اجتماعات واتصالات ومقابلات فما أن تدق الساعة 12 ظهرا وإلا ابتسامتك التي ارتديتها مع ياقة قميصك قد مالت الى الجنوب، والكافيين زاد الطين بلّة فصبرك ينفذ مع مجرد بطء طارئ على (الواي فاي) وما أن تصل الخامسة ويغادر معظم الموظفين مكاتبهم إلا وأنت تود أن لو كان بينك وبين الصباح التالي أمدا بعيدا. لآ أريد أن أطيل الدراما هذه عليك بأن أصور لك وصولك للبيت وجلوسك غير مكترث بالأطفال من حولك وبقصصهم في المدرسة ونشاطاتهم ولا بعيد زواجك الذي ظهر عشر مرات على شاشة (الآي فون) منذ الصباح و”طنــّشــْته” في كل مرّه… فأرجو أن يكون السيناريو قد بدا على واقعيته.

 فما فائدة التحكم المطلق في الساعات التي مضت أمام هذا الإنهاك واستنزاف كل ما كان لديك من طاقة عندما اسيقظت اليوم؟

“الطاقة هي العملة الدارجة في سوق الإبداع والمستوى العالي من الأداء وليس الوقت” ودعني أزيد ” حُسْن الأداء والعافية والسعاده يربطها كلها وثاق متين بمهارة التحــكــم في الطاقة وكيف تحصل عليها وكيف تشحنها مجددا”……لماذا؟

لأنه ببساطة عدد الساعات في اليوم ثابت لا يتغير ولكن كمية الطاقة ومستواها يقعان تحت سيطرتنا تماما وهما من أهم مواردنا. وكلما أخذنا المسؤولية على عاتقنا لإدارة هذا المورد من الطاقة كلما زادت مساهمتنا في الدور المطلوب منا وكلما تعاظم الدور الذي يمكن أن نقدمه لمن حولنا.

للوصول الى درجة التلاحم أوالترابط الكاملة فيما تقوم به من أدوار فإنه من الضروي أن تكون جسديا بكامل طاقتك وهمتك وتفاؤلك، وعاطفيا بحضورك وتواصلك وتعاطفك، وذهنيا بتركيزك الشديد وروحيا بالشعور بالسلام  والأندماج بين كل هذه العوامل ووحدتها في مواجهة اليوم وما سيأتي به من تحديات وفرص.

وإذا استطعت أن تحقق قسطا وافرا مما ذكر أعلاه فأنت بين ال 22% من العمالة الأمريكية الذين وصلوا درجة التلاحم والترابط الكامل بمهام عملهم بعد ثلاث سنوات من البدء في الوظيفة.

الثورة الصناعية أتت وذهبت والثورة الزراعية مرّت عنا مرور اللئام وأفكار ونظريات وعلوم وفنون نراها تطير من فوق رؤوسنا كالطيور المهاجرة ونحن مستلقون فوق حشائش الإستهلاك بعيون مغمضة وعقول “سرحانه”،  والآن نحن في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية وليس بيننا وبين أن نكون مشاركين بدلا من مستهلكين ومتفرجين إلا قرارات سياسية سليمة وتطبيق القانون لخلق الجو الملائم من الحرية والعدل والأمن والشفافية لنلحق بركب الحضارة والمتحضرين ، ونساهم في جعل هذا الكوكب وما عليه أقل بؤسا (أو أكثر سعادة).

أما النظرية الثانية التي أعيد بناؤها لتلائم ما طرأ على السوق التجاري من تغييرات وعولمة ومنافسة شديدة فهي ما يتعلق بالتخطيط الأسترا تيجي.  إن هذه النظرية تختصرها معادلة بسيطة تقوم على مبدأ: أستعد وكن على مستوى عال من الجاهزية ، يلي ذلك التسديد المحكم نحو الهدف وإذا تم ذلك بشكل يضمن إصابة الهدف في مقتل فاتبع التسديد بالطلقة القاتلة قبل أن تهتز لك يد أو يتحرك الهدف من مكانه.

ولكن ما جرى خلال العقدين أو الثلاث الماضية أن دخل السوق لاعبون جدد مثل الصين وكوريا الجنوبية ولاحظ المراقبون الغربيون بالذات تآكل حصصهم من السوق في مجالات شتى وعزوا ذلك الى نمط تعامل اللاعبين الجدد مع السوق حيث لم يبدوا أي اهتمام بالهدف أو حتى إن كان ماثلا أمامهم أصلا… الهدف كان السوق كله فغمروه مرة واحدة وانتظروا ليروا أي من سهامهم أصاب هدفا معيّنا فاحتفظوا به في كنانتهم وزادوا منه وعليه، وأما ما طاش من سهامهم فاسترجعوه لإعادة التأهيل بالبحث والتمحيص.

فالآن قرر الجميع إلا المحافظون من أصحاب التجارة والصناعة  شرقا وغربا ان تتخذ المعادلة الشكل المناسب للسوق الجديد وهو : الإستعداد والجاهزية يلي ذلك الرّمي..بدل التسديد والتصويب، وبناء على النتيجة الأولى من موقع السهم يعاد التسديد والتصويب لليمين أو الشمال أو علوا أو هبوطا.  لم يعد هناك حافز لاستنزاف الوقت في التحليل الذي كثيرا ما كان يؤدي للشلل في الحركة والتردد في دخول السوق مما أعطى المنافس الأكثر شجاعة وإقداما الفرصة لاكتساح السوق في وقت مبكر.

 

النظرية الثالثة أو لنقل المفهوم الذي ساد خطوط التجميع في الصناعات الثقيلة كان يرتكز على أن أقصى ما يمكن انتاجه من سيارات مثلا أو ثلاجات أو طائرات يعتمد على أقصى كفاءة ميكانيكية ممكنة لآلات التجميع أو الأدوات والمضخات وغيرها مما تتحكم في آداءها التصاميم الهندسية والتي لا يمكن أن  تتعداها.

على سبيل المثال استطاع هنري فورد أن يضاعف إنتاج 1700 سيارة من موديل أ-1 في أول عام الى 4000 سيارة في اليوم خلال أقل من ثلاث سنوات. وحذا حذو فورد ومصانعه المصانع الأخرى في مجالات مختلفة ولكن كلها اعتمدت في فلسفتها على تحسين الكفاءة الميكانيكية للآلات والتي نادرا ما زادت عن ال90% أضف الى ذلك الصيانة الضرورية واستبدال قطع تعطلت بقطع جديدة وما رافق ذلك من خسارة في الإنتاج وتعطيل في خطوط التجميع.

سريعا بنا الى الأمام فنحن الآن في الثمانينيات من القرن الماضي عندما بدأ التركيز على الموارد البشرية فاتخذت هذه الحركة أسماء تتسم باللطف أحيانا وبالتبجيل أحيانا أخرى، لتحسين صورتها وجعلها أسهل هضما فقيل أنها “إدارة الموارد البشرية” أو “‘إدارة الأصول الثمينة” وأغدقت الشركات الضخمة دون تحفظ على موظفيها من إجازات مدفوعة وتأمين صحي وتأمين على الحياة وزيادات سنوية في الرواتب وغير ذلك…. لماذا هذا الحنان الفجائي في المعاملة؟

باختصار شديد توصل الباحثون الى قناعة تامة أن الكفاءة البشرية تكاد تكون غير محدودة إنتاجا وإبداعا وتطويرا تفوق بكل المقاييس ما يمكن تحقيقه من خلال آلة صمــّاء. ورغم ما حققته هذه اللفتة نحو تطوير القوى البشرية لتطويعها لقوى رأس المال وإحراز ما يمكن أن يوصف بالمعجزات في حقول كثيرة إلا أنه عندما ينخفض السهم في سوق المال لإحدى الشركات العملاقة فأول الضحايا لعملية ال:”داون سايزينج” أوتقليص أعداد العمال والموظفين لكونهم الهدف الناعم، فطرد ألف موظف مرة واحدة كما حدث مرارا أسهل من تفكيك مصنع أو ورشة عمل أو التخلي عن ملعب جولف مثلا تمتلكه الشركة.

هذه تطورات هامة وحقيقية في عالم الإدارة  وقد فتحت آفاقا جديدة في مجالات شتى من العلوم الإنسانية لها إيجابياتها وعليها مآخذ وخصوصا بما يتعلق بمسؤوليات الشركات نحو المجتمع التي تعمل فيه. وقد فطن لذلك مؤخرا بعض رجالات التجارة والصناعة حول العالم فقاموا بتنظيم ما سمّوه ب “فريق – ب” ورسالتهم “أن يضعوا الناس والبيئة والأرباح على مستوى واحد من الأهمية!” فادعوا لهم بالتوفيق.

 

المراجع

http://www.bteam.org

The Power of Full Engagement , Jim Loehr & Tony Schwartz (2003)

My Work and Life, Henry Ford (1922)

http://www.youtube.com/watch?v=k9vIhPszb2I

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s