مهمتُك التّحـكـّم بالشّراع….(2)

“أهم يومين في حياتك هما يوم مولدك ويوم تكتشف دورك ووجهتك في الحياة” (وليام برادلي)

“شيئ واحد أنا على ثقة تامة من صحته وهو أنه لم يتم إنجاز أي عمل عظيم في الدنيا كلها بدون ولعٍ شديدٍ فيه وعاطفةٍ جياشةٍ نحوه” (فريدريك هيجل)

“إبدأ عملك وعينك على النهاية” (ستيفن كوفي)

“وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك…” (ألقصص 77 )

“وعلامات وبالنجم هم يهتدون…” (النحل16)

“إذا كنت لا تدري إلى أين أنت ذاهب ، فكل الطرق ستؤدي بالضرورة إليه” (لويس كارول)

——————————————————————————————————————————————————————-

طريق جبلي

أين أنت؟ (المكالمة الأولى)

وضعت كراسة آخر فحص في “حركة السوائل” بلطف وبكلتا يدي فوق الكراسات الأخرى، وهمست في أذن الدكتور الجالس وفي يديه صفحة الرياضة من مجلة الجامعة “وداعا يا دكتور إيفرز” وغادرت القاعة نحو غرفتي على شارع شريدان في لارمي / ويومنج. كان شعوري مزيجا من الفرح والضياع…. فلم يكن عندي أدنى فكرة عما أنا فاعل بعد الآن.  فبعد العيش سنين في أمن اليقين ووضوح الرؤيا وجدت نفسي بدون بوصلة وبدون نجم أهتدي به، أنظر في كل الإتجاهات فلا أرى إلا ضبابا وأشباحا وهمسا بعيدا جدا. كان لدي حلم كبير ولم أتعداه قيد جندب والآن ماذا بعد أن تحقق؟

عجبت من نفسي آنذاك كما أعجب الآن وينتابني حزن عميق على من يواجه هذا السؤال الذي لا مبرر له – لو تداركه صاحبه بالوعي المطلوب – فإني أدرك تماما القلق واهتزاز الثقة في النفس عندما نقف حيارى أمام هذا السؤال: والآن ماذا؟ وهذا ما حدا بي لأكتب هذه المدونة وأكرسها لشرح هذه التجربة وكيف التعامل معها والإحتراز من خطورتها وتخطيها الى الفضاء الرحب من الإبداع والتخلص من القلق و التحرر من الخوف.

الحلم أو الرؤية التي أقصدها هي الصورة التي تحتفظ بها في عقلك ووجدانك للحياة التي تريد أن تعيشها. كل منا له أحلامه ورغباته وطموحاته ولكن النادر من بيننا من يطورهذا الحلم الى ينعه وحصاده والتمتع بثمره… فتذوي زهرته قبل أن تصبح برعما أو تسقط في مرحلة البراعم بسبب الإهمال.

  • الحلم،  ليصبح حقيقة يجب التعرف عليه بأدق التفاصيل والعيش معه ليس كطيف عابر أو ضيف ثقيل ولكن كصاحب البيت. ولكن قبل الدخول في برنامج العمل الذي سيعطيك كل ما تحتاج اليه خطوة خطوة من المفيد جدا أن آتي على بعض الثوابت العلمية لأثبت بها فؤادك وأزيل طائف الشكّ الذي يطوف من حولك:

قواعد اللعبة: الفيزياء وما وراء الفيزياء

              العقل لا يستطيع التمييز بين فعل حقيقي تقوم به الجوارح وفعل “تتخيله” وتعيشه في ذهنك. تصورك لشيئ ما يعادل في تأثيره ممارستك الفعل نفسه على الأرض. وهذا ثبت علميا وبتجارب عديدة على لاعبي تنس أو متسابقي التزلج على الثلج أو لاعبي البيانو الذين توقفوا عن ممارسة نشاطاتهم العملية بسبب كسور أو مرض أو منع قسري،  ولكنهم واظبوا على ممارستها ذهنيا حسب برامج صارمة وتحت مراقبة دقيقة.  والنتيجة كانت مذهلة فلم يتأثر ولم يتراجع أداؤهم عما كان عليه قبل توقفهم

        ألإنسان يصبح حاصل ما يفكر به كل يوم وعاداته وما يسيطر عليه في أحلام يقظته، لأن العقل يعمل دائما حسب ما يتم برمجته عليه، والأوامر التي تدخله من عواطف سلبيه مثل الخوف والندم والحقد أو عواطف إيجابية مثل السعادة والفرح والنجاح. ولأن بذرة التفاح لا تنبت إلا تفاحا وبذرة البصل لا تنبت إلا بصلا فالحرص على ما تزرعه في عقلك يصبح السبب في الوصول  الى ما تصبو اليه وتحلم به أو الضياع وأنت في الطريق اليه.

       كلما كان الهدف واضحا لدى العقل كلما زادت بل تأكدت احتمالات إصابة الهدف.  فالعقل إذا تمت برمجته يصبح (كالطوربيد) الذي يستهدف قاربا في عرض البحر حتى لولم يكن في مجال البصر فإن مجرد إدخال أبعاد الهدف بأرقام حقيقية من ال”جي.بي. إس” فإن الطوربيد ينطلق نحو الهدف وكلما خرج عن اتجاهه المبرمج له بفعل مقاومة الماء أو الموج فإن الميكانزم التي في داخله تعيده الى الهدف. فيقول المهندس “تشارلز جارفيلد” الذي عمل مع مؤسسة “ناسا” على مشروع “أبوللو” للهبوط على القمر أن المركبة لم تكن تثبت في اتجاهها نحو القمر إلا لحظات وكانت لأكثر من 84% في اتجاه منحرف ولكن الأدوات الهندسية كانت تلتقط هذه التغييرات وتعيد المركبة الى مدارها الصحيح.  وهكذا العقل إذا تمت برمجته بدقة فلديه القدرة الذاتية لتصحيح مساره الى أن يصل للهدف.

         العقل الذي لا يشغله هدف لا يتوقف عن العمل ولكنه يشغل نفسه بما تمليه عليه الهواجس اللآإرادية والتي تجتاح الدماغ بفعل العواطف والأحداث على اختلافها وحدّتها ومقدار استيعاب العقل لها وتفسيره لها، حسب ما يرى ويدرك بناء على التجارب السابقة والمعرفة والإيمان والحاجات النفسية، وبذلك يصبح الفرد كالقارب في عرض البحر يذهب مع الريح ومع الموج فاقد السيطرة تماما. ولذلك يصدق في مثل هذا العقل المنفلت من عقاله القول أنه يصبح “ورشة للشيطان” يخترع فيها أفكارا لم تخطر على بال صاحبه.

       الغوص في البناء الفسيولوجي للإنسان لما وراء الشحم واللحم والعظم والأعصاب الى الخلايا يصل الى ما بعد الخلايا ليصبح في منتهاه طاقة فقط وحركة دائمة تتحكم فيها قدرة خالقها ومجموعة من القوانيين الفيزيائية التي هي نفسها تحكم كل ذرات الكون على صغرها وكل الكواكب على عظمتها وبعدها وحركاتها. والأفكار أصبحت الآن تقاس من خلال الجمجمة على شكل تيارات كهربائية تزيد أو تنقص حسب التهيج او السكون الذي ينتج عن التفكير بشيئ دون سواه. وبناء عليه إذا كنا بأفكارنا وأجسادنا جزء من هذا الكون فإنه من المنطقي والمجدي أن نتعامل وننسق ونبرمج نشاطاتنا آخذين بهذه الحقائق العلمية بعين الإعتبار، لنجعل أفكارنا تتناسق في ذبذباتها مع ذبذبات الكون.

        وجود هدف محدد يخلق فجوة أو فراغا بين “الواقع” وال”مطلوب” ولا يستريح العقل إلا أن يحاول ملء هذا الفراغ وردم هذه الفجوة بأسرع ما يمكن وبأكثر السبل كفاءة. والغريب في الأمر أننا رغم عدم معرفة كيف تجري العملية بالدقة ولماذا ولكن الشاعر الألماني “غوته” عبّر عنها بقوله ” أنه حالما يتضح الهدف او الحلم في وجدان الإنسان ليصبح جزءا من بناءه العقلي والعاطفي فإن كل القوى الكونية تتآلف وتتوحّد لتوفير البيئة والوسيلة لجعل هذا الحلم حقيقة!” هذا تماما ما يحدث عند غرس بذرة أو فسيلة نبات فهي بدورها مبرمجة لتشق الأرض من فوقها ومن أسفل منها لتصل للماء بجذورها وللشمس بأوراقها وللغذاء اللازم لنموها.

        يقول البروفيسور( تيموثي ويلسون) من جامعة متشيغان في كتابه “غرباء عن أنفسنا” أن معظم أعمالنا وسلوكياتنا تصدر بإيحاءات من العقل الباطني دونما أية سيطرة عليها أو تدخل منا. ويفسر بعض العلماء العرب العقل الباطني بال “فؤاد” والقرآن الكريم يفرِّق بين العقل والفؤاد في كثير من آياته منها: ” أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها….46 الحج )  “وكلاّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك… 120 هود) “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذّكر إلا أولوا الألباب… 269 البقرة). العقل الباطني او الفؤاد أقدر بملايين المرات كما يقول  البروفيسورويلسون من العقل الواعي على التخزين والتفاعل والسرعة في اتخاذ القرارات الصعبة وخصوصا ما يتعلق منها بالحياة والموت.  العقل الواعي يصمم بكامل وعيه الهدف والحلم ويدفع بها الى العقل الباطني الذي يحتفظ بكميات هائلة من المعلومات والسجلات والمخططات “والعلاقات” التي تتضافر جميعها لتحقيق الحلم ، مثلما تفعل البذرة دون وعي منها بالتوجه للشمس والهواء إلى أعلى وبجذورها نحو الأسفل للماء والغذاء.

في التدوينة القادمة سأبدأ بالخطوات العملية من تعريف وبناء الحلم ليصبح النجم الساطع في الليل الحالك تهتدي به، ويكون المحرك والموجه لطاقاتك وأفكارك وجوارحك حتى تصل إلى ما تصبو اليه ولن يقف بينك وبينه عائق إلا ما تضعه أنت…. فلنا لقاء قريب بإذن الله.

  

يتبع…….كادأكا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s