(3)كل نجمٍ راح في الليل بنجم يتنوّر…فأين نجمُك؟

guiding-star

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم –:إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى…..

وقال الخطابي: ألنيـّة هي قصدك الشيء بقلبك، وتحرى الطلب منك له

ومما روى عن ابن مسعود: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية

وقال الزركشي في قواعده: حقيقة النية ربط القصد بمقصود معين

قالت هيلين كيلر: ألمصيبة الأكبر من العمى هي أن تكون مبصرا ولكن ليس لديك رؤية أو حلم

*****************************************************************************************************************

يكاد يجمع العلماء على أن معظم الحيوانات تحلم في نومها ولكن “أحلام اليقظة” ينفرد بها الإنسان ولا أحد يعرف بالضبط في أي سن يبدأ الإنسان هذا النشاط الذهني.  من المؤكد أن الكل يحلم بشيئ في حياته اليومية ولكن الغالبية العظمى تدع هذه الأحلام مثل فقاعات الصابون تتطاير وتندثر بنفس السرعه التي وردت على الخاطر. ولكن العظماء يحولون الخاطرة الى فكرة والفكرة الى كلمات والكلمات الى أفعال بنّاءة والأفعال تصبح عادات حميدة والعادات تتخذ موقع القيم العليا والقيم هي التي تحدد المصير.

يقول آدم لايبزج وهو مخرج لأكثر من عشرين فلم سينمائي وأكثر من 300 مسرحية أنه في العام الماضي 2013 ، قد حضر احتفال لأبناء دفعته من الخريجين منذ 20 سنة من جامعة ييل الأمريكية فاكتشف أن 80% تقريبا منهم لا يشعرون بالسعادة في حياتهم أو وظائفهم رغم المال والجاه والأمن المادي التي يتمتعون بها. وبعد تداول الآراء طوال تلك الليلة وجد أن ال 20% ممن يعتبرون أنفسهم سعداء في أدائهم وحياتهم يشتركون في خمسة عوامل أهمها: الرؤية أو الحلم الذي لازمهم معظم حياتهم! فيما يلي من هذه المدونة سأشرح ماهية الرؤية وكيف تكتشفها في ذاتك وكيف تحققها.

 ما هي الرؤية أو سمّها الحلم أو النية؟

هذه هي الحياة التي تصبو اليها والتي من أجلها تعيش، وهي النجم الذي يضيئ في سماءك فتعرف به وجهتك أينما كنت، وهي الفكرة الطاغية على كل ما عداها من أفكار. وهي التي تجعل لاعب التنس رفائيل ندال مثلا يمارس التدريب لأكثر من ثمان ساعات يوميا، وهي التي تجعل كل ذي طامع أو طامعة في الميدالية الذهبية في أي أولمبياد أن يرى حلمه أمامه في ساعات يقظته، وفي منامه، ويتذوق حلاوة الفوز بها في طعامه وشرابه، هي المحرك لعواطفه والمسرِّع لدقات قلبه… وهي التي تود أن يقولها  فيك من سيقفون في وداعك الأخير بعد عمر طويل “فالأعمال بخواتيمها،”  وهي التي عبرعنها برنارد شو في نصيحته لشاب جاء يسأله عن سر الكتابة فقال له “إذا أردت أن تكون كاتبا فلن تدع أي عائق يقف أمامك فبع جدتك ومعطفك وحذاءك واكتب…!”  

عندما تصل درجة رغبتك في تحقيق حلمك الى ما بعد درجة إحمرار الحديد الى درجة ان ايصبح أكثر ميلا للأبيض منه لأي لون آخر تكون قد رسّخْت حلمك في وجدانك، ولن ينزعه إلا أن يتحقق طالما أنك تقف بعد كل كبوة ، تأخذ من الدرس عبرته وتسرج حصانك وتتابع المسير.

“لاتضع كل بيضك في سلة واحدة!” حكمة جميلة إذا كنت بائع بيض أو ما يشبهها من بضاعة كالأسهم في سوق المال…. أما بربَّك كيف سيكون أمرلاعبة جمباز مثلا إذا وزّعت ساعات تدريبها بين التنس والرماية ورقص الباليه والجمباز؟ من أين ستأتي بالذهبية؟ وفي أي منها؟ وكذلك الرسام والموسيقار والفيزيائي، فالإلتزام المطلق بحلم ما هو إلا التفاني في سبيل تحقيقه.  فيبدو انه في اللحظة التي تحدث عندها الشرارة هذه تتآلف كل ذرات الكون مثل برادة الحديد حول مغناطيس لتسهيل كل صعب أمام صاحب الرؤية الصادقة التي لا يتخللها أية نوتة نشاز أو يشوب رونقها غبار شك فهي في تناغم وانسجام مع النفس وما يجول فيها إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ.

 

ولكن كيف تعرف رؤيتَك وأين تبحث عنها وكيف تميّزها إذا التقيتَ بها؟

بالعاطفة أولا! ويحضرني هنا ما قال قيس في حبيبته……أراني إذا صلّيت يممت نحوها*** بوجهي، وإن كان المصلّى ورائيا

إذا سرْتُ في الأرض الفضاء رأيتني*** أصانع رحلي أن يميل حياليا

يمينا إذا كانت يمينا، وإن تكن*** شمالا ينازعني الهوى عن شماليا

وإني لأستغشي وما بي نعسة*** لعل خيالا منك يلقى خياليا

تتجلى الرؤية الحقيقية في وقت مبكر وتبدأ بالتعبير عن نفسها في الهوايات التي يختارها الفرد وفي أنواع اللعب التي يلعبها وأنواع الكتب التي يقرؤها وتتطور في أيام الدراسة،  وإذا تم اكتشافها من”ذوي الفضل والحكمة” ورعوها حق رعايتها خلال الدراسة الجامعية او المهنية  فإنها ستؤتي أكلها آجلا أو عاجلا. ولكن من المحزن أن الغالبية الساحقة تُحرم من هذه النعمة فتذوي الفسيلة قبل أن يشتد سوقها أو تضرب بجذورها في الأرض فتموت قبل أن تولد.  العالم الثالث المقهور من الداخل والخارج تملأ أرضه قبور هذه ألأحلام بين فكي العوز والفاقة والإستبداد ومطاردة رغيف الخبز…. ويحضرني قول أبي العلاء المعري….

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب *** فأين القبور من عهد عاد (حامِ)

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض*** إلا من هذه الأجساد (الأحلامِ)

الرؤية الحقيقية تُعرف بأن أي جهد فيها أو في حيزها يبدو أبعد ما يكون عن وصفه بالعناء أو “الشغل” بل يكون أقرب لممارسة هواية ومتعة،  فالوقت يجري كجدول طروب لا يشعر به صاحبه وتتجلى خلاله مواهبه والدليل الآخر هو أن صاحبه يشعر في أعماق نفسه أنه هو المالك له وليس استرضاء لأحد أو لنزعة عابرة أو خاطرة شاردة ولا يعتمد في علاقته بهذه الرؤية على سهولة في المنال ولا وسيلة لغاية أدنى.

الإختبار الآخر لسبر غور الرؤية وقابليتها للحياة والبهاء هو الدور الذي يراه صاحبها للناس في رؤيته.  كل حلم يباعد بينه وبين الناس كمن يغرس زهرة ويحرمها من النحل واللقاح والأكسجين وضوء الشمس.  يموت الحلم بأسرع مما جاء به أو، يعيش حياة فراشة موسمية.  يجب أن يكون للحلم امتداد روحي ليس في الناس فقط ولكنه يجب أن ينعم كذلك بالتناغم مع الموسيقى الكونية التي تـُنعش بذبذباتها خلايا كل شيئ حي أو جماد… مع الزهر ومع الغروب ومع موج البحر ومع الغيمة السابحة في الفضاء ومع امتداد الأفق والصحراء…. هذه الوحدة بين الوجدان والكون هي أهم مقومات الوصول للهدف وتحقيق الرؤية والحلم.  كل تنافر يؤدي لتسرب الطاقة ويشتت الذهن ويربك الفؤاد.

  إذا أردت مواجهة الحياة فيجب أن تكون جبهتك الداخلية متماسكة وعلى نبضِ واحد وإلا ستصبح كالفلسطيني….”وسوى الروم خلفك روم*** لست تدري على أي جنب تميل”

 

نماذج من أصحاب الرؤبة

“ستيف جوبس” مبدع “أبل” ومبتكراتها في كلمته الشهيرة أمام خريجي ستانفورد قال أن عليهم أن يجدوا أو يكتشفوا في داخلهم ما يحبونه بشغف شديد ونكريس جهودهم كلها نحو ذلك الحلم، لكي يصبحوا من الناجحين.  قال أنه في سن ال21 كان لديه ملايين من الدولارات وووصلت أضعافا مضاعفة قبل بلوغه الرابعة والعشرين ولكن ذلك الثراء لم يكن دافعا له ولا سببا في نجاحه بل كان تحصيل حاصل بعد أن عقد النية على أن يكرس حياته للتكنولوجيا وتطويرها حسب رؤيته.

“إيرنيستو سيروللي” شاب إيطالي انتدبته حكومته ليذهب مع فريق من المتطوعين لتدريب المزارعين في بعض الدول الإفريقية وبناء على ما حققه من نجاح ذهب لأستراليا وأعاد الحياة لمدن وقرى على الساحل الغربي من أستراليا بعد أنهيار اقتصادي فقد الناس معه مصادر رزقهم، مما حدا لاحقا بالحكومة الأمريكية لدعوته بتطبيق فلسفته على مناطق نائية في ولايات الوسط الأمريكي، وقد غطى كل هذه النشاطات على مدى 30 سنة في كتابه “رقرقات من نهر زامبيزي.”

 بيت القصيد ومربط الفرس في تجربة السيد سيروللي أنه كان يذهب للقرية أو الضاحية الصغيرة ويتعرف على الناس وعلى القرية بالجلوس معهم، ليس ليكتشف أكثرهم دراسة ولا أكبرهم سنا ولا أعلاهم مركزا، بل لصفة واحدة فقط وهي “من لديه حلم ورؤية تقض عليه مضجعه” فيبدأ بتطوير أفكاره ومهاراته وما هي العقبات التي تحول بينه وبين تحقيق حلمه.  ففي أول قرية دخلها ونسبة البطالة فيها فوق ال 70%، نجح في افتتاح أكثر من 30 “مصلحة” ما بين صناعة أحذية باليد الى مشروع “تدخين السمك” أصبح انتاجه يصل الى “سدني” ذاتها، في أقل من ثلاث سنوات. وأختم ببعض الحكمة من شعر أبي الطيب المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم*** وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها*** وتصغر في عين العظيم العظائم

***

إذا غامرت في شرف مروم *** فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير *** كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء أن العجز عقل *** وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم

يتبع…….كادأكا

 

في الحلقة التالية سأغطي “ما بعد بلورة الحلم وعقد النيّة” والخطوات العملية التي تقودك اليه.

  أهم المراجع:

Ripples from the Zambezi by Ernesto Sirolli, Passion, entrepreneurship and the rebirth of local economies.

Luckier in Life by Craig Forman, 10 Simple secrets that will change your life

As the Man Thinketh by James Allen

Peak Performance by Charles Garfield, The Winners’ Guide for making that Quantum Leap to the top

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s