(4) أنت على خطوات فقط من حلمك وها هي أمامك خطوة… خطوة!

“واعلم أن حياتك تبع لأفكارك” (السعدي)

“أصل كل طاعة هي الفكرة، وكذلك أصل كل معصية، فإذا كانت أرض القلب فارغة، بذر الشيطان فيها البذرة الرديئة” (ابن القيّــم)

“ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ، ولا فهم امرئ قط إلا علم، ولا علم امرئ قط إلا عمل” (وهب بن منبه)

“التصور هو حلم اليقظة الهادف” (بو بينيت –  مليونير وكاتب)

“أتصور نفسي في كل سباق بأدق التفاصيل قبل السباق بأيام وشهور الى حين سماع طلقة البداية”  (أليسون فليكس – ميداليات ذهبية في سباق ال 200 متر)

“لا يوجد أدنى شك بأن التصور هو أجدى الطرق لتحقيق الأهداف الشخصية” (هارفي ماكي – صاحب عدة مؤلفات في التطوير الذاتي)

 Inspirational Pic-5

تقديم…

في هذا القسم الرابع من المدونه حول الحلم وتحقيقه، سأشرح – حسب تجربتي الشخصية وحسبما قرأت ورأيت في الخمسين سنة الماضية – الخطوات العملية التي على القارئ أن يفكر فيما يتطابق مع ظروفه وأهدافه منها، ويتخذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب – وهو الآن –  للقيام بفعل ما.

الخطوة الأولى  –  استحضر الحلم أو الهدف في تمام كماله وكأنه تم فعلا، ولجعل هذه الخطوة أشد رسوخا في الخيال وفي المخ نفسه يجب (وليس من باب الإختيار) أن تكتب هذا الحلم بأدق تفاصيله، فإذا كان بيتا فكم غرفة فيه وما لون الأثاث والستايرفي غرفه وأين يقع وكم مساحة الحديقة وماذا يزرع فيها…. وإذا كان القارئ يبحث عن شريك أو شريكة حياة، فمن الضروري أيضا أن تكون صورة هذا الشريك دقيقة التفاصيل بحيث لو خرجْت فجأة من البيت ورأيته أمامك يخرج من السيارة لعرفته أو عرفتها دون عناء! من لون الشعر والحذاء وحقيبة الكمبيوتر وبأي يد كانت ونبرة الصوت والوقفة….   إذا كنت لا تستطيع أن تعبر عن حلمك بجمل قصيرة ومفيدة ودقيقة فإن ذلك يعني أنك لا تزال لم تلتزم به بالدرجة المطلوبة.

كان (جون صراف) أحد الخبراء في هذا المجال من تطوير الذات، يحتفظ بلوحة في مكتبه عليها صور للأشياء التي كان يحلم بها وكان يمارس النظر اليها والتفكر فيها عدة مرات في اليوم… وفي النهاية وبعد ثلاث سنوات كان يسكن في البيت الذي أسكنه في ذهنه طوال هذا الوقت.

منذ الثانوية كانت لدي رغبة تطفو وتخبو للدراسة في الإتحاد السوفياتي أسوة بأبناء عمومتي الذين ابتعثوا الى عدة دول اشتراكية وحصلوا على شهادات جامعية في الطب والهندسة وغيرها. هذا لم يحصل لي لأنني ذهبت للعمل الذي كان على رأس قائمة الأولويات آنذاك،  وبعد أكثر من ثلاثين سنة عاودتني رغبة قوية بالذهاب ولو للزيارة ولكني لم أجد حافزا ولا مبررا ولم أكن أعرف أحدا هناك فخبت الجذوة. وكنت قد ذهبت لأمريكا ودرست وبدأت حياتي العملية و لكن تلك الرغبة لم تكن تذهب بعيدا إلا لتعود على أقوى وأشد.  وفي أحد الأيام أثناء ركوبي القطار من القرية التي أسكن بها الى لندن جلَسَت بجانبي سيدة لم أرها من قبل، وبعد قليل سألتني إن كان من الممكن أن أجد لها وظيفة ولو لساعات قليلة في إحدى الشركات.  السيدة كانت مهاجرة بلغارية ، تعمل في حقل المبيعات، وتعيل إبنا لها في الجامعة.  تبين لي من الحديث معها أنها تجيد عدة لغات وبعض اعمال الخياطة فتبادلنا أرقام الهاتف على أن نتواصل إذا طرأ جديد.

خلال اجتماعنا الأسبوعي في الشركة، وكان قد مضى على لقاء القطار أكثر من شهر، سمعت جملة من أحد المهندسين وهو يغادر قاعة الإجتماعات، وكانت من قبيل الفكاهة والتندر تبعتها ابتسامة عريضة،  بأن الشركة تتفاوض مع شركة روسية لفتح فرع لها في أحد المناطق في شمال روسيا المعروفة بوجود حقول للنفط والغاز فيها. اتصلت بالسيدة البلغارية بنفس اليوم وسألتها إن كانت تجيد اللغة الروسية بما يسمح لها بتدريسها لمجموعة مهندسين. نالت الفكرة اجماع الفريق وبعد ستة أشهر كنت في طريقي للعمل في روسيا حيث قضيت هناك أكثر من ست سنوات.

يقول نجم السينما روبرت دنيرو أنه عندما يقرر أن يقوم بدور معين في فلم ما فإنه يتحرى حتى نوع الساعة التي يلبسها البطل الذي سيقوم بدوره ويعيش الدور بكل تفاصيله،  وهذا ما يميز ممثلا وصل النجومية من ممثل ” فقط عمل في مجال السينما.”

ولكن لماذا هذا التشديد وهل هو فعلا مبني على قواعد علمية؟

نعم…نعم…نعم! فكما ذكرت في القسم الأول من هذه المدونة أن المخ الإنساني لا يميز بين ما يتخيله وبين ما يفعله ، فإنه وبقياسات كهرومغناطيسية دقيقة يُنتج المخ نفس الإشارة ونفس القراءة على مقياس للموجات ارتفاعا وذبذبة، والتجارب العديدة أثبتت أن الأفكار المشبعة بالعاطفة أو الحالات العاطفية تُصدر طاقة يمكن قياسها ومراقبتها من عدد (الرنّات) الى علوِّها في المعمل.

 وماذا يعني ذلك عمليا بالنسبة لحلم إنسان ما؟ لا أحد يدري بالضبط بما يجري في المخ ببلايينه من الخلايا والأعصاب ولا ما ذا يجري في الكون الواسع اللآمحدود أوفيما إذا كان هناك علاقة سببية ومباشرة بين العالمين – عالم المخ والعالم الخارجي بمجراته وكواكبه، والعلم لا يفتأ يطلع علينا كل يوم أو كل عام على الأقل بما يبهرنا ويزيدنا حيرة، ولكن المعرفة التراكمية هذه أصبحت تثري الإنسانية وتتخذ موقع الحقائق حتى ونحن نعجز في تفسيرها تماما. فكون العالَم الفيزيائي يعمل بالطاقة والكون على وسعه له ذبذبات ويعمل كوحدة متكاملة فإنه ليس بالمستهجن ولا بالمستحيل أن الفكرة في مخ ما – والتي هي طاقة – تتداخل بشكل ما في الطاقة الكونية وتتجاذب فيما يتآلف معها وتتنافر فيما عدا ذلك… و”الأرواح جنود مجنّده.”  الراديو يعمل بطريقة تشبه هذا الطرح وكذلك التلفاز ومنها ما نعلم تفاصيله ومنها كل ما نعلمه هو أنها تعمل.

ولنأخذ مثالا آخر…. أنا وأنت نسوق سياراتنا كل يوم وبكبسة زر أو إدارة مفتاح تسير السيارة ولكني لا أدري بالضبط ماذا يجري بداخل المحرك من تحويل البنزين السائل الى طاقة وحركة ممكن قياسهما أو حسابهما بدقة متناهية وكذلك الآيباد التي بين يديك وغيرها من استخداماتنا العجيبة….ناهيك عما يجري في أجسامنا وكيف تعمل الكلى مثلا أو البنكرياس ولكننا نعلم تماما ردودها لما نقوم به معها أو بها من إدرار البول إلى التشنج إذا هبط أو ارتفع السكرعن الحدود التي يسمح بها البنكرياس.

ويقول “تميم البرغوثي” بمناسبة وفاة الشاعر محمود درويش (كما ورد في كتاب رضوى عاشور – أثقل من رضوى) “أن الأوطان تؤسس في الخيال قبل أن تؤسس في الحقيقة!”

وكما قال إيليا أبوماضي: “ليست حياتك غير ما صوّرتها*** أنت الحياة بصمتها ومقالها

ومن باب ميزان الربح والخسارة وحساب احتمالات حصول أحدهما مقارنة مع الآخر فإني أُشدّد على التعامل مع هذه الظاهرة الثابته بثمارها، المجهولة بماهيتها، بجديّة إذا كنت جادّا بتحقيق حلمك. المطلوب منك هو التزام وانضباط وممارسة سلوك بحيث يصبح عادة راسخة في نظامك اليومي. هل هذا أصعب من الفشل؟ هل حلمك بهذا الصغر بحيث لا يستحق منك جهدا يعادل حجمه؟ وما هي الخسارة التي ستترتب على عدم “منفعة” ما أدعوك إليه بالمقارنة بما ستحققه إذا أثمر؟

 “ذريني أنل ما لا ينال من العلى*** فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل”

“تريدين لقيان المعالي رخيصةً *** فلا بد دون الشهد من إبر النحل” (المتنبي)

أهم مقومات عملية التصور المطروحة هنا هي أن يكون التصور مقترنا بعاطفة جياشة  صادقة لا تدع للشك ولا “ثقب إبرة” (فادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة) وأن تكون الصورة تعبر عن الحاضر وليس بالتمني بل وكأن العريس في الدار (أو العروس) وأنك في البيت الذي حلمت به وبالوظيفة التي رأيتها في كل “سرحاتك” من النافذة، وبالمرسيدس في الجراج باللون الذي اخترته ورائحة الجلد الجديد المنبعثة من المقاعد…. وبهذا تكون قد وحّدت بين حالة الوعي واللاوعي ولقّحْتَ مخّك بحلمك فلا تزال ترعاه وتدللــه حتى أينع وأثمر.  فكرتك يا عزيزي ويا عزيزتي مثل بذرة تفاح تودعها في التربة الصالحة وترعاها وهي تقوم بواجبها كما شاء الله لها وأودعها سر الحياة من لون وطعم ونكهة فستقوم هي بتحليل ما في التربة وبالبحث عن الشمس للتمثيل الكلوروفيلي وتزهر فيأتي النحل من حيث تدري ولا تدري…. وتنمو الشجرة من تلك البذرة وتؤتي أكلها ولم تغادر مكانها قيد أنملة….

أنعجز أن نكون كالبذرة فنثق بما أودعه الخالق فينا …”فما أوتيتم من العلم إلا قليلا!”

 Apple-tree-with-fruit-300x300

يتبع…. الخطوة الثانية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s