(6) الدائرة الذهبية و جوابك على سؤال “لماذا”!

حُسْن النيّة لا يحقق هدفا ولا يوصل لنتيجة إن لم يلازمه حافز مؤثر ومثير.

إن من أهم ما ينجزه إنسان في لحظة ما هو أن يتخلى عما هو عليه ليصبح على ما هو قادر أن يكون عليه

أنا على استعداد دائما أن أتحمل الفشل ولكنني لا أستطيع أن أتحمل الندم على “عدم المحاولة” (مايكل جوردن – من نجوم كرة السلة)

أثناء المشي في الغابة جئت على طريق ذي شعبتين فأخذت الطريق الأقل استعمالا…. وذلك غيّر حياتي كلها (الشاعر روبرت فروست)

الدائرة الذهبية

paint2

مــدخــل

يبدو أن الفرق بين الفشل والنجاح في التجارة أو الصناعة أو السياسة أو الحلم لتحقيق الذات ليس الدعم المادي وراء أي من هذه ولا مستوى الجودة في التصنيع ولا الشهادة الجامعية لدى صاحب المشروع بل شيئ أعمق وأدق في دماغ الأنسان.  والدليل على ذلك يأتي من “أبل” ومنتجاتها من ألآي فون والآي باد…ومن رواد الطيران “ويلبر وأورفيل رايت” ومن حركة “مارتن لوثر كنج” والعامل المشترك بين كل هؤلاء وغيرهم هو هذا “الحافز الداخلي” الذي يقف وراء السبب لتطوير حلم ما والسعي نحو تحقيق هدف ما، والإيمان به ، والذي يبرر وجود شركة ما، والدافع وراء القفز من السرير كل صباح… بل كل هذه وأكثر.  فالنجاح يبدأ من الأعماق ويتمدد الى الخارج نحو الطريقة أو الأسلوب او الإستراتيجية المطلوبة وأخيرا نحو إنتاج شيئ يعبر عما حدث عند انطلاقة الشرارة الأولى ويحقق الصورة التي ترسخت في الوجدان على ضوء تلك الشرارة.

ألخطوة الثالثة

الآن وقد اكتشفت نجمك الساطع وماذا تريد أن تفعل لتجعل هذا العالم أفضل حالا مما وجدته عليه –على الأقل عالمك الصغير – وتصورت كل ما تصبو إليه بعين الواثق وبخيال يقارب الواقع،  ونثرت كنانة مهاراتك بين يديك وعجمت عيدانها فوجدتها صلبة والآن السؤال الذي يلوح في الأفق أمام ناظريك وعلى مسمع من خفقان قلبك هو “لماذا؟” ألِمَغـْرمٍ أم لثأر أم لإشباع حاجة آنية أم لهدف أعظم من وعاء تحشوه فيه، يفيض كثيرا على جانبي “الشحطة” التي تفصل بين تاريخين، يوم أن دخلت ويوم أن غادرت هذا الكون؟  ما الشيء الذي تنام عليه وتصحو من أجله؟ ما السر الذي يجعل لحياتك معنى ويضفي على روحك هذه النضارة ويجعلها تستريح في ظل اليقين بأن ما تصبو اليه هو فعلا الذي يطابق كل ما في وجدانك من إنسانية وحب لكل ما هو إنساني يخدم ولا يهدم، يغار على الحق، ولا تعرف الأنانية طريقها نحوه؟  فإنه ثبت أن هذا السر أو الحافز أو الدافع هوالذي “في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب” وبين النجاح والفشل، وبين النصر والهزيمة.

الدائرة الذهبية

يتساءل “سيمون سنك” في كلمة ألقاها في أحد ندوات (تيد) كما تساءل غيره: لماذا هذا النجاح الذي حققته شركة “أبل” ضد منافسيها في حقل التكنولوجيا؟ ولماذا انتصر “مارتن لوثر كنج” وفشل كل الذين سبقوه في تحقيق الكثير نحو المساواة بين السود والبيض في أمريكا؟ ولماذا فشل “صموئيل لانجلي” – وبالكاد يذكره أحد – وهو الخريج من جامعة هارفرد، الثري، المدعوم لوجيستيا وسياسيا في “اختراع أول طائرة” ونجح أصحاب “دكان” دراجات هوائية، الأخوان “ويلبر وأورفيل رايت” اللذان هجرا المدرسة الثانوية قبل نهايتها ليكرسا كل ما لديهما من أموال ومن وقت ومن مهارات في تصميم أول طائرة تطير بقيادة طيار وكان ذلك في 17 ديسمبر 1903؟

لا يمكن التقليل من الدور الذي يلعبه الحظ في الحياة ولا من توفير الدعم المادي وشبكة التواصل لتسويق فكرة ما أو بضاعة ما و في الواقع تتضافر كل هذه العوامل في الوقت المناسب لتحقيق الهدف وتوصيل الرسالة الى نهايتها الجميلة.  ولكن هناك عاملا لا بديل عنه كان في لب النجاحات والإنتصارات عبر التاريخ كان غيابه وراء كل فشل حتى عندما كانت العوامل الأخرى متوفرة.  هذا العامل هو الشعلة في أعماق النفس البشرية التي لا تخمد حتى تصل نهايتها وانتصارها مهما واجهت من تحديات لتصبح واقعا ملموسا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

الرسالة المحمدية تتصدر مثل هذه الحالات في التاريخ الإنساني حيث أتت واضحة جارفة لتخرج الناس من الظلمات الى النور ومن عبادة أباطرة وقياصرة ومستبدين الى عبادة واحد أحد. رسالة لم يقبل صاحبها أنصاف حلول ولا قايضها بمال أو سلطة ولا يزال حملتها يدافعون عنها بأرواحهم ودماءهم حتى لا تتحول الى أيقونة أو طقوس أو شعارات جوفاء لا تردُّ حقا ولا تزهق باطلا. ويزخر التاريخ بحركات تحرير كثيرة نجحت في إخراج أتباعها من قيود العبودية والتبعية عندما كان الحافز وراءها بمستوى عظمتها وعموميتها.

الرسومات أعلاه تعبرعن وجه الشّبه بين “الدائرة الذهبية” والدماغ البشري…وأن الحركة تبدأ من العمق باتجاه الخارج وليس العكس. فالفكرة أو الهاجس أو سمها ما شئت كأنها تنشأ في “ظلمات ثلاث” ، وفي المنطقة من الدماغ التى تعتبر مقعد العاطفة و”موقد” الأفكار والإبداع فليس فيها مركز للنطق ولا للتحليل والحساب ولا حتى المنطق. فلو أن كاسترو أو مانديلا أو غاندي أو مارتن لوثر كنج اعتمدوا على المنطق وعلى جدول الربح والخسارة لقضوا حتفهم دون تحقيق أهدافهم، ولما غادروا بيوتهم. “فإذا كانت النفوس كبارا*** تعبت في مرادها الأجسام”

ما تقوم به أنت من أفعال ومن مسالك هو البرهان على ما تؤمن به وتلتزم به من قيم ومبادئ في أعماق وجدانك! هناك مجموعتان من القوانين التي تتحكم في هذا الكون: سنن وقوانين كونية لاتخضع للزمان أو المكان وتنطبق على كل جنس وكل لون، وهناك قوانين نضعها نحن بني البشر لتسيير أمور حياتنا…. نحن بخيروفي عافية وفي سلام كلما سارت المجموعتان على وتيرة واحدة واتّحدتا في سمفونية كونية تقيم العدل وتصون الحرية والكرامة والمساواة في حرَم هذه السنن والقوانين.  ولكن كلما اتسعت الفجوة بينهما وابتعد خط سير إحداهما عن الآخر يكون الإنسان بإنسانيته أول ضحايا هذا الإنفصام.

  كوننا نغرق في بحر لُجّيٍّ من المعلومات دونما طوق نجاة من الحكمة لَمُؤشّر ساطع على “تفرق السبل” بين المجموعتين،  فكلما كسر”الربح” قيده وكوابحه وتمرّد وابتعد عن مرساة العدل والقناعة وهدف أسمى من جمع المال، كلما تعمقت المعاناة وعمّ التباين بين الناس ومرض الكوكب كله بكل مخلوقاته. فقد “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.” (الروم 41) والشواهد على هذا في كل أنحاء الكرة أرضية أكثر وأعم من أن تحصى، من تلوث بيئي، حيث نقف عاجزين أمام جبال من النفايات في كل مدننا الى الملايين يموتون ويعانون من الجوع والمرض والإهمال والظلم والإستبداد.  الجامعات  والمصانع التي تبدع في اكتشاف وتصنيع منتجات كيماوية وأسلحة نووية وبيولوجية تقف عاجزة بلهاء أمام إبداع ما هو جميل وإنساني بنفس الهمة والتفاني التي تعمل بها على انتاجها الآخر، لأن حافزها معطوب وبوصلته ذات قطب واحد لا تشير لسواه.  وإذا لم نتدارك الأمر فسنكون كالفتاة المسكينة وقربة  ماءها التى انحل رباطها فسال ماءها على الأرض فصرخت بأبيها لنجدتها ولعله يبقي ببعض الماء في القربة فقالت قولتها: “يا أبت الحق فاها ، غلبني فوها ، لا طاقة لي بفيها!……”فهل من مدّكر؟”

المراجع:

New.ted.com

One Dimensional Man by Herbert Marcuse

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s