الطريق الأقل طَرْقا نحو فلسطين

دعونا نقف للحظة وننظر في المرآة ونُـقرُّ بالفشل ليس فقط في تحرير شبر واحد من فلسطين أو منع إقامة مستوطنة أو الحيلولة دون خلع زيتونة عمرها الف سنة، ولكننا فشلنا حتى في العثور على خطة عمل جادة ومجدية لتحقيق أي من هذه الأهداف. وإذا لم نشخّص هذا الفشل من جذوره فلن نتقدم قيد شعرة وسنظل ندور في حلقات مفرغة من أي معنى.

كل برنامج عمل لا يقوم على الفهم الصحيح للحقائق والمسلَّمات المتعلقة به يبوء بالفشل. كان أمامنا حقائق واضحة ولكننا أسأنا استيعابها وتفسيرها بصورة عقلانية. النكبة كانت حقيقة واقعية، قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين كانت حقيقة واقعية، أكثر من 58 مخيم لاتزال تأوي أكثر من مليون ونصف فلسطيني حقيقة واقعية، إحتلال فلسطين الجغرافية من النهر إلى البحروهدم وتجريف أكثر من 400 قرية عربية، والتطهير العرقي الذي صاحب كل هذا حقيقة واقعية.  أعتقد أنه لا يختلف على هذه المسلّمات في الدنيا كلها إثنان.

أدْركَ الشعب الفلسطيني منذ سماعه بالحركة الصهيونية – بدرجات متفاوتة –  ما كان يدور حوله وما يُطبخ له في أوروبا ومستعمراتها في الوطن العربي، وقاوم بكل ما أوتي من قوة وبكل السبل التي أُتيحت له منذ وعد بلفور أوقبله إلى يومنا هذا، ولكنه ومع كل التضحيات والعذاب والتهجيرلم يستطع إيقاف الهجمة المقننة الشرسة التي كانت مدعومة ولا تزال من نفس القوى التي مكّنتْها من السيطرة على التراب الفلسطيني ، ومن الصمت والتواطؤ السرّي والمعلن ممن يدور في فلك هذه الدول، أحيانا مجبرا وأحيانا بحسن نية، وأحيانا أخرى خيانة وكفرا بواحا.

أدّعي هنا في هذه المراجعة بأن سبب الفشل الأهم هو أننا كشعب فلسطيني وتحت قياداته المختلفة أسسنا وبنينا كل توجهاتنا من مقاومة مسلحة إلى معاهدات ومفاوضات على فرضيات خاطئة ومضللة وموغلة في الجهل والسذاجة. سآتي على كل منها واحدة واحدة وسأنهي حديثي بالبديل الذي إن غاب عن الذهن فإنه لم يغب عن المنطق واستُبْعِد فقط لقِصرٍ في النظر، ولتفضيل حزمة من ردود الأفعال الغبيّة والتي في النهاية أدت بنا لما نحن عليه الآن.

ألفرضية الأولى منذ الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وخيانة بريطانيا وتنصلها من وعودها للعرب وتوفير السلاح لليهود وغض النظر عن الهجرة اليهودية لفلسطين قام الفلسطينيون بردّة فعل طبيعية بمقاومة الإحتلال بدعم عربي حددته ظروفهم السياسية وعلاقاتهم الدولية آنذاك. كانت ردة الفعل هذه مبنية على عدة مفاهيم كلها خاطئة أهمها:

الأمة العربية لن تفرّط في فلسطين وستقاوم الإحتلال بكل قوّتها

أليهود عبارة عن “شذّاذ آفاق” وانتصارهم مؤقت

“الثورة الشعبية” هي الإستراتيجية الأهم والتي يجب اتباعها لتحرير فلسطين

إن السلام حقيقة مكذوبةٌ*** والعدل فلسفة اللهيب الخابي

لا عدل إلا إن تعادلت القوى*** وتصادم الإرهاب بالإرهاب ( أبو القاسم ألشابي)

هذا كلام صحيح وصريح من شاعر ثائر، ولكن ما حدث على الأرض منذ وعد بلفور حتى الآن قضى على هذه الفرضية ومقوماتها الخالية من الموضوعية والواقعية.  فلم يكن لدى أي حاكم عربي أية خِـطّة لتحرير فلسطين لا من ضعف قبل الإستقلال ولا من قوة بعد الإستقلال. أقصى ما قدمه العرب تحت هذه الفرضية هو طرح حلول “للقضية الفلسطينية” وليس خطط للتحرير رغم المسميات الرنانة العاطفية أو البيان الثوري الأول بعد كل انقلاب. الدعم المادي الذي قدمته الدول الغنية للجهد العسكري الذي قامت عليه المقاومة كان لا يذكر عندما كان الخرق لا يزال صغيرا ورتقه ليس مستحيلا.  فقد كتب عبد القادر الحسيني لجامعة الدول العربية ليدعموه بالسلاح وتوسّل إليهم ألا يتخلوا عنه وعن جنوده “وهم في أوج انتصارهم في القسطل!”  أما الدعم الذي كان يصل لقيادات المقاومة الفلسطينية في السبعينات فكان غالبا لخدمة أهداف أخرى لدى الدافع والمدفوع له، ولم يكن تحرير فلسطين التراب الفلسطيني هدفا لأي فصيل.

 

ومن الناحية العسكرية بالذات فقد ضحّت الكوادر بأرواحها لهدف سامٍ يستحق التضحية واستشهد الآلاف في سبيل ذلك ولكن دماءهم ذهبت سدى بسبب الصراعات القيادية ايديولوجيا وماديا وولاءات موزّعة لدول شتىّ، وضبابية – بل غياب فظيع – حول أهداف الفصائل المقاتلة.  قارن ذلك بثورات وحركات تحرير أخرى مثل فيتنام! فقد قال الجنرال جياب لضيفه مكنمارا بعد أن وضعت الحرب أوزارها “كان لنا هدف واحد لم يتغير، إن كان تحت الفرنسيين أو معكم وهو إقامة دولة مستقلة موحّدة في كل فيتنام شمالا وجنوبا!” وأضاف في مكان آخر من مذكراته أن الثوار في الجنوب وقياداتهم كلها شمالا وجنوبا كانوا كلهم على قلب رجل واحد يلبسون نفس اللباس ويأكلون نفس الطعام. في المقابل لم يكن لدى الفلسطيني “هانوي” ولا الصين ولا روسيا والفدائي الذي كان يقع في أيدي حرس الحدود العربي غالبا ما كان يتم تسليمه لإسرائيل أو قتله. ولا أريد أن أنكأ الجراح بالتذكير في المآسي التي عاناها الشعب الفلسطيني منذ تسليم عملاء الإنجليز للقسام في أحراش يعبد،  لتفجير”البلفون” في وجه يحيى عياش، لمقتل قيادات فلسطينية على أرض عربية قديما وحديثا وعلى أرض أجنبية أكثر حداثة… لأصِلَ للعملاء التي لا تخلو منهم قرية ولا مسجد على أرض فلسطين…! “نرجو النجاة ولم نسلك مسالكها*** إن السفينة لا تجري على اليبس”

 

الفرضية الثانية وهي أن إسرائيل ترغب في التوصل إلى سلام دائم مع الفلسطينيين رغم عدم وجود أي مؤشر يدعم هذه الفرضية. فالقتل مستمر وبناء المستوطنات زاد أضعاف ما كان عليه قبل أوسلو (سلام الشجعان) والأسرى زاد عددهم عن عشرة آلاف معتقل بينهم أطفال ونساء – وأصبحوا مجرد عملة للمساومة – وبناء الجدار العازل وهدم البيوت وتبرئة القتلة  في المحاكم الإسرائيلية وحماية المستوطنين وهم يعيثون في القرى المجاورة فسادا وحرق سيارات ومحاصيل تحت أنظار الجيش الإسرائيلي… القبول بهذه الفرضية يعني عدم تصديق كل ما قامت عليه ومن أجله الصهيونية وكأنها خطوة لم تكن مقصودة أو “مزحة ثقيلة.” لو أن لدى إسرائيل ولو الحد الأدنى من حُسن النيَّه أوالرغبة الحقيقية في السلام لظهرت منهم – ولوسهوا-  بعض الأفعال التي تدل على ذلك، أوتشير إلى أننا يوما ما سنكون جيرانا متحابين….ولكن لم ير الشعب الفلسطيني إلا الدبابات وقنابل الفوسفور وقنابل الغاز والحواجز على الطرق والإهانات التي لم توفر أبدا عجوزا أو امرأة حاملا أو تلميذا.  فكيف يتم التصرف ولعشرات السنين من المفاوضات على أساس فرضية خرقاء مثل هذه التي لم يكن لها في الواقع أي أثر أو دليل؟

 

الفرضية الثالثة والتي يمكن اختصارها بما نشرته الوكالات مؤخرا عن الرئيس عباس أنه “علينا متابعة العيّار لباب الدار” وكأن كل ما ورد في اتفاقيات أوسلو وما سبق ذلك من قرارات دولية كله منسوخ وعلينا البدء من الصفر…أو أن ما على الفلسطينيين إلا أن “ينبذوا ألإرهاب” ويعترفوا بحق إسرائيل في العيش بسلام في حدود آمنة، وأن يبادروا بتغيير مناهج الدراسة وضبط – بل واعتقال وقتل إذا لزم الأمر – كل من يفكر بمقاومة الإحتلال، و يجب التعايش مع المستوطنين حتى وصل الحد أن يقتصر أذان الصلاة على صوت المؤذن العادي أي بدون سمّاعات للحفاظ على سعادتهم. أما إسرائيل فلا داعي لمطالبتها بشيء وليس مطلوب منها أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة ، ولا بحق عودة اللآجئين إلى بيوتهم وأراضيهم، ولا حتى بتعريف الحدود التي ستقبل بها ، وليس عليها إعادة النظر في مناهجها، وكأن كل ذلك لم يصل حد النصاب من السفاهة والإستحمار فالآن الطلب الجديد بأن على الفلسطينيين أن يعترفوا بأن إسرائيل دولة يهودية ، فإلى أين سيكنسون المليون ونصف فلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية؟ وأين ستكون الدولة الفلسطينية إذا بقيت القدس محتلة وبقي وادي الأردن محتل وبقيت المستوطنات تتنامى وتتمدد  (طبيعيا طبعا) على الأرض الفلسطينية وكل الموارد الطبيعية من ماء وغاز ونفط وهواء تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة؟ وعندما تقوم إسرائيل بترحيل عشرة مستوطنين أو إزالة حاجز تقوم الدنيا وترقص على وقع التضحيات التي قدمتها إسرائيل مقابل “التعنت” الفلسطيني.

 

ومما تبع هذه الفرضية الجوفاء من ذيول هو أنه إذا “تأدب” الشعب الفلسطيني وانصاع تماما لأوامر الخبراء الأمريكان حتى وصل الأمر أن يقوم ضباط المخابرات الأمريكية بتدريب أفراد الشرطة الفلسطينية على حفظ الأمن وعدم التدخل بالإحتلال والضرب بيد من حديد على من يحاول أن يقوم بأي عمل تفسره إسرائيل أنه عدواني “ولا يخدم عملية السلام!” ، إذا تم كل هذا – وقد تم فعلا بل زاد – فإن أمريكا ستنظر “بعين العطف” وتحاول إقناع إسرائيل ببعض الليونة في مواقفها وإبداء حسن النية بالإفراج عن عدد من الأسرى الذين إما أن يتم تصفيتهم لاحقا أو يعادوا الى المعتقل – سيّان إن كان ذلك في سجن من سجون السلطة “لحمايتهم طبعا” أو في سجن إسرائيلي.

 

هذه هي الفرضيات الثلاث التي (على ضوءها أوفي ظلمتها)  قادت سياسات كل القيادات الفلسطينية عبر تاريخ القضية الذي يشارف على المائة سنة من الصراع المستمر والدامي في تعاملها مع النكبة واللآجئين والقدس والأسرى والأرض والحدود والدولة….. استطاعت إسرائيل خلالها أن تبني دولة قوية عسكريا وعلميا واقتصاديا حتى أصبح يبدو لكل ذي عينين أن مصير العالم كله مرتبط بمصير إسرائيل وأن تكون أمريكا – وهي أقوى قوة ضاربة في الكرة الأرضية – أضعف من أن تعترض على أي شيئ تطرحه إسرائيل. مقابل ذلك هبطت قضية فلسطين على كل قوائم المهتمين بها – أو كنا نعتقد غباءً منا أنهم كانوا كذلك – إلى ما دون القاع بل أن الدول العربية تزداد إلحاحا ودفعا وضغطا على الفلسطينيين بأن ينهوا الصراع مع إسرائيل بأي ثمن… وكدنا نصدق…أو حتى صدّق الكثيرون منا “أنه بمجرد التوقيع والإستسلام سيكون كل شيء على ما نحب وسنكون بألف خير برعاية أمريكية ودولية وفي أحضان إخوتنا الذين سيحموننا وسيوفرون لنا عيشا كريما بطريقة أو بأخرى فهُم النشامى والأمجاد وأصحاب الكرم والنخوه والثراء، وما على الفلسطيني إلا أن يختار بإشارة من إصبعه للقطر العربي الذي يحب أن يكون مواطنا فيه ويحمل جواز سفره بكل فخر!”

 

أقول أننا نكاد نصدق هذا الهراء لولا قسوة الواقع وتجارب مائة سنة… وأنه مامن حكومة عربية واتتها الفرصة والمبرر الأعرج إلا وكان الفلسطيني أول ضحية (لثوراتها وحروبها الأهلية) حتى وصل الأحياء منهم إلى الهند وأمريكا اللاتينية أو ماتوا غرقا هربا بدماءهم وأعراضهم وأطفالهم من المذابح والتجويع والحصار. ولم أجد وصفا أدق لهذا المشهد من المأساة الفلسطينية مما قاله الشاعر مريد البرغوثي، ففي كل العالم على أرجائه:

“لكل مواطن حاكم ووحدك أنت محظي بعشرين من الحكام في عشرين عاصمة، فإذا أغضبت واحدهم أحلّ دماءك القانون ، وإن أرضيت واحدهم أحلّ دماءك الباقون!”

 

أللهم لا ملجأ منك (ومنهم) إلا إليك!

 

العمل حسب هذه الفرضيات وتفسيرنا الساذج أو القهري للحقائق أوصلنا لكل الأبواب المغلقة لأن الطريق تلو الطريق لم تكن لها صلة بالواقع ولا بالحقائق. فعلينا بعد أن استنفذنا كل الحيل البهلوانية ولم نستطع إخراج “الأرنب من القبعة” أن نقوم بشيئ جديد وأن نطرق طريقا لم نطرقه ليجوز لنا أن نتوقع نتائج مختلفة.

 

أولا: بجب علينا أن نعيد النظر في الفرضيات والمعطيات وتغييرها لتطابق الواقع وليس التمنّي.  وأول هذه الفرضيات التي تتماهى مع الواقع، و لكننا نصر على نكرانها أو التلطيف من حقيقتها، هي أن إسرائيل قامت على حلم صهيوني غايته القصوى والمعلنة منذ أن خططوا لطردنا “خيمة خيمة وعنزة عنزة” كما صرّحوا،  وإخلاء كل فلسطين الجغرافية من أهلها الأصليين من العرب وأن تعيش هذه الدولة مصونة الجانب تسيطر على المنطقة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وأن تظل في مأمن من التهديد الديمُغرافي بأن تكون دولة لليهود وحدهم.

 

إسرائيل تقيّم أداءها وأداء قادتها بمقدار قربهم والتزامهم بهذا الهدف وما يحققوه نحوه.  ألا ترى أن قياداتهم في انتخاباتهم يدرجون عدد المستوطنات التي بنيت في عهدهم و حجم التجارة السريّة مع العرب والترتيبات الأمنية وغير ذلك في أعلى قوائم إنجازاتهم؟

 

في مقابل ذلك وأمام إصرار إسرائيل على هذه الثوابت وما تحققه منها على الأرض، قامت القيادات الفلسطينية على اختلاف الأسماء والوجوه جيلا بعد جيل على المساومة والتنازلات والتراجع حتى عما كانوا يعتبرونه، أو بالأحرى يصرّحون به من الثوابت. فالتغيير المطلوب هو أن يقاس النجاح الفلسطيني بدرجة النجاح في إحباط الحلم الصهيوني وتحجيمه وتغيير مساره وإفشاله. وليس الرحلات المكوكية بين واشنطن وتل أبيب مرورا برام الله أحيانا، “لتطييب الخواطر.”

 

ثانيا: يجب بلورة هدف محدد ودقيق يجتمع حوله الناس على اختلاف أهوائهم وميولهم وهذا هو المشروع الوطني الحقيقي الذي ضاع خلال الثلاثين سنة الماضية من كسر البوصلة  واستغباء الشعب بالمفاوضات السرية وكأن هذا الشعب الذي شاب وهو في عز شبابه من هول ما حل ّ به من مصائب بحاجة الى وصيّ “يعرف مصلحته” أكثر منه فيذهب من وراء ظهره ليساوم على أرضه ومقدساته وكأنه شعب يتيم ولا يزال قاصر.إن التراجع المستمر عن الحقوق الفلسطينية بدون أية مرجعية قانونية أو دولية أو شعبية، والتنازل عن التراب الفلسطيني بين النهر والبحر الى حدود 1967، ناقص ما اقتطعه الجدار العنصري، ناقص الأغوار ووادي الأردن، ناقص المستوطنات الضخمة، ناقص حق العودة، ناقص القدس والمقدسات، لن يـُبقي للشعب الفلسطيني إلا ما يـُدفن فيه أو يكاد، و سيترتب عليه أن يكون كل الشعب الفلسطيني تحت  إدارة وزارة العمل والعمال الإسرائيلية كخدم وعمال في البلديات المبعثرة في تلال ووديان “يهودا والسامرة!”

 

هذه المتوالية الهندسية قضت على الوحدة الوطنية وفرقت بين أبناء الشعب الواحد ونقلت الصراع ضد الإحتلال إلى صراع داخلي. إن استعادة زمام المبادرة بالتوافق على وحدة الهدف وتفعيله في ضمائر الناس سيفجر طاقات هائلة عندالشعب ويختبر إبداعهم ويقضي على الحقد والكراهية بينهم ويعزز الثقة بين الناس وبين قادتهم مما يقوي الفريقين الحاكم والمحكوم في تسيير أمورهم ورعاية مصالح الوطن بدلا من استرضاء العدو أومجاملة الصديق والتوسل على أعتابهم.

 

ثالثا: هناك الآن نشاط  جيد ويحقق تقدما كل يوم على الجبهة الخارجية من خلال حركة “مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات” ويجب مؤازرته بالتوازي وذلك بالتحرك نحو تقوية الجبهة الداخلية وهي عامة الناس، أهل الوطن وحُماتُه وأبناءه وراء أسوار الوطن وفي الشتات، واستنهاضهم واحترامهم وفهم حاجاتهم، وردم الفجوات بين فئاتهم، ومساواتهم أمام القانون في الداخل وتحمل المسؤولية عنهم وأمام ممثليهم بكل شفافية وصدق وأمانة. هذا سيخلق الجو الملائم حتى رغم الفقر والإحتلال ليبدأ الفرد الفلسطيني باستعادة بعض كرامته المهدورة وأن يعود الفلاح إلى أرضه وأن نتمكن من الوصول الى مستويات أرفع وأعلى من الأخلاق والصدق في التعامل والإيثار والمسامحة مما سيدعم صمود الناس في أرضهم ووطنهم ويخلق فرص عمل ويحسن من التعليم ليؤهل خريجي الجامعات الفلسطينية للمنافسة بكفاءة في سوق العمل.

 

نحن شعب أبي قوي عنيد طموح نحب العدل ونفتقدالسلام ونستحق أن نعيش على أرضنا بحرية وكرامة وأمن. يجب أن يكون هدفنا الآن هو الثبات في الأرض والتركيز على كل ما يعـزّز هذا الإتجاه ومواجهة هذا التحدي بجعل ما بقي في أيدينا من فلسطين نموذجا يُحتذى به من الأخلاق والفضيلة والمساواة أمام القانون والتفاني في العمل وإتقانه والتميز في التعليم والشفافية وحرية التعبير والعدل بين الناس.إن قصّرنا بأن نفاخر “بشرائح الحاسوب بدلا من شرائح البطاطا” كما تندّر بنا توماس فريدمان الكاتب في نيويورك تايمز، صاحب المبادرة العربية (لحل الخلاف الإسرائيلي- الفلسطيني) فمن الممكن أن نفاخر بسمو أخلاقنا! ”

 

أنا لم آت بشيئ جديد فقد كتب عن ذلك المهندس الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي قبل أكثر من خمسين سنة، ونادى به أحمد شوقي قبل ذلك حينما قال” وليس بعامرٍ بنيان قوم*** إذا أخلاقهم كانت خرابا” ناهيك طبعا عن الإلحاح على مكارم الأخلاق في الإسلام، ولكن، فإنه كما يبدو لم تعد “قلة الأدب” تثير فينا أي قرف أو ردة فعل وهذا لا يبني وطن، ولا يسترجع مسلوب ولا يخلّص مغتصَب….فعلى الأقل لنمتثل بقول الشاعر:

 

لا خيل عندك تُهديها ولا مال*** فلْيُسْعد (الفعل) إن لم تسعد الحال.

 

يقول “غورباتشوف” في كتابه عن “البريسترويكا – إعادة البناء” ما معناه أن الإتحاد السوفياتي ما كان له أن يستمر في البقاء بسبب انهيار البنية الأخلاقية على كل المستويات وتعفن النسيج الإجتماعي بسبب تفشي الفساد و”طبخ السجلات والتقارير عن الإنتاج الزراعي والصناعي.”

 

وكتب إدوارد سعيد أنه يجب على الشعب الفلسطيني أن يتصدّر المكان الأسمى في الأخلاق والشفافية ومساءلة قياداته وتفعيل كل قواه في الصراع الدائر مع الصهيونية.  وتاريخيا، عندما كانت تفشل الدولة في إقامة الحد الأدنى من العدل والتوعية والتعليم، كان الشعب يأخذ زمام المبادرة ويقوم بما كان في الأصل من مسؤوليات الدولة، وأقرب مثال على هذا ما كان يجري في بلاد الشام في أواخر أيام الدولة العثمانية.

 

أنا أدعو كل فرد في كل حي في كل مخيم وكل قرية وكل مدينة أن يشعر بأنه المخاطب شخصيا وأن يكون مؤتمنا على قول الصدق وعلى الحرص على المال العام والخاص من حوله وعلى نظافة اليد واللسان والنية والشارع وأن ينشر الفضيلة ما أمكنه بأن يصبح القدوة لمن حوله بالفعل وليس بالموعظة. هل هناك من يعتبر هذا حجر عثرة في طريق تحرير فلسطين؟ أنا واثق بأن سلوكا كهذا لن يؤخر تحرير فلسطين ولو لثانية واحدة، وإذا لم نقم به وبقينا على ما نحن عليه فالقارئ لن يغيب عنه ما سيؤول إليه أمرنا، وما عليه إلا أن يقارن بين أخلاقيات المجتمع الفلسطيني قبل أوسلو مثلا وما هي عليه الآن ، فنحن لا نتكلم عن عهد الخلفاء الراشدين، فالإنهيار بدأ يتخذ تسارعا مرعبا.

 

فمن المسلّم به ،أنه يجب علينا والحال ما نحن عليه أن نطبق المثل الشعبي “إللي بتغلِبّو إلعبّو…”  وإلا فبماذا سنتفوق على أعدائنا إذن؟  إنهم تفوقوا علينا في التكنولوجيا وتبادل السلطات والعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص فيما بينهم؟ لا نستطيع ولا نريد أن نعادلهم صاروخا بصاروخ ودبابة بدبابة ولكننا والله لأقدر منهم على الصبر وعلى التضحية وعلى حب فلسطين، وعلى الإنخراط والإنفتاح على كل ما يخدم الإنسانية، وليس الإنكفاء وراء جدر في “جيتوهات” حديثة، والتسلط على مقدرات الشعوب وابتزازها من خلال البنوك والأسواق المالية، وبذر الكراهية والفساد في الإرض واستنفار الحقد والثأر والكراهية والعنصرية،  بالإدعاء بأن هذا اختيار الله لهم دون شعوب الإرض.

 

 من شروط التمكين في الأرض وشواهده في النفس وبين الناس إقامة قاعدة أخلاقية من الأوامر والنواهي والعدل والإيمان وهذا كفيل بأن يقضي على الفساد والعمالة  في داخل المجتمع الفلسطيني لأنها جراثيم لا تعشَّش إلا في القذارة…وبتحقيقه فإن العالم لن تطول غفلته أو غفوته عن الظلم الذي جرى علينا لمائة عام، وستعود القضية الى الحاضنة العربية التي تمر الآن في مخاض عسير ما بعده إلا الحرية وحكم القانون وهو ما يعيد فلسطين الى مرمى البصر وحقل الرؤيا ويضع الأمة بكاملها أمام مسؤوليتها التاريخية والدينية والأخلاقية وتثبيتها على طريق التحرير.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s