(7) كيف تمت قيادة المركبة الفضائية “مير” بالإبهام والرياضيات

“يجب علي أن أكون مستهلَكا تماما ولم يعد لدي أي شيئ يستفاد منه عندما أموت!” برنارد شو

“حتى لولم تقدر على أفعال عظيمة، فافعل أشياء صغيرة بطريقة عظيمة” نابليون هل

“بغض النظر عما تنوي القيام به … قم به من قلب ورب وبمشاعر صادقة فياضة وحماس” يوجي برا

“ليس النقص في الموارد هو المشكلة ولكنه النقص في اكتشافها واستخدامها بمهارة ودهاء” توني روبنز

Ladders

عندما ارتطمت مركبة التموين (بروجرس التي تزن 7 طن) بسفينة الفضاء (مير) في 1997 تعطلت كل القياسات التي يعتمد عليها ليس فقط في حركة المركبة،  ولكن الطاقم لم يعد يدري بأي اتجاه تتحرك المركبة للمحافظة على وصول أشعة الشمس لتوليد الطاقة اللآزمة لتشغيل المعدات والحواسيب ووسائل الإتصال مع الأرض. وفي حالة التوتر التي أعقبت التصادم بين الكابسولات وانخفاض الضغط في القمرة وتسرب الهواء ومغادرة أعضاء الطاقم الأربعة بأقصى سرعة للمركبة الأم، نسي (مايكل فاولي) الحاسوب وبرامجه في تلك القمرة. فعندما تطلب الأمر إعادة برمجة حركة المركبة كان عليهم الإعتماد على ما بين أيديهم من خبرات في الفيزياء والميكانيكا والرياضيات…. بالإضافة الى قلم رصاص وورقة.

يقول (مايكل) أنه كان يقف أمام أحد النوافذ ويرصد أي نجم ويبحث عن القمر ويستعمل إبهامه أمام القمر ويقيس سرعة حركته وبأي اتجاه والمسافة التي قطعها (وكانت درجة ونصف في الثانية) ثم يجري حساباته في الظلام ليعرف بأي اتجاه ستكون الشمس بعد دقائق أو ساعات لينقل كل ذلك الى قبطان المركبة الذي عليه أن يطلق نفاثات معينه ليضع المركبة في المدار الصحيح.  واستمر هذا العمل المرهق لأكثر من ثلاثين ساعة تخلل ذلك فقدان أدوات وهبوط ضغط وانقطاع تيار وخراب حاسوب ، علما أن الحواسيب التي كانت على (مير) في التسعينيات من جيل حاسوب الستينيات فكانت بطيئة جدا وتحتاج الى تبريد متواصل الى غير ذلك من تحديات.

وتحت تلك الظروف وعلى بعد آلاف الأميال من كوكب الأرض وب”موارد” بدائية استطاع الفريق إنقاذ حياة أعضاء الطاقم  العشرة وإنقاذ “مير” وما التصق بها من كابسولات وأصلحوا كل ما نتج من التصادم بين الكابسولات وتم تغيير بعض أعضاء الطاقم بأعضاء جدد وعاد القدامى ممن قضوا 4-6 أشهر في الفضاء الى أهلهم وأوطانهم سالمين.

يقول (مايكل) أن أسعد لحظات حياته كانت عندما خرج الى الفضاء الفسيح خارج المركبة الفضائبة ورأى كوكب الأرض الأم فلم يستطع حبس دموعه من الفرح رغم أنه  كان في وضع حرج جدا يحاول تصليح شروخ في المركبة، ولعدم وجود جاذبية كانت البراغي والمفكات تغادره سابحة كما تشاء وبدلا من أن تتورم قدماه من الأسفل تورمتا من الأعلى لأنه كان عليه أن يعتمد عليهما لتثبيت نفسه في درجات السلالم في الصعود والهبوط وإلا كان سيطفو إلى أعلى!

توقف عن سرْد الأعذار… ونوّر أينما وجدت نفسك!

 Bloom a yellow flower_400

“لاتقل لي : ليتني بائع خبز في الجزائر،لأغني مع ثائر
لاتقل لي : ليتني عامل مقهى في هفانا،لأغني لانتصارات الحزانى
يا صديقي ! لن يصب النيل في الفولغا، ولا الكونغو ،  ولا الأردن ، في نهر الفرات
كل نهر ، وله نبع ..ومجرى ..وحياة
ياصديقي !..أرضنا ليست بعاقر،كل أرض ، ولها ميلادها، كل فجر وله موعد ثائر”
(محمود درويش)

الصورة العامة…في بداية الثورة الصناعية وما قبلها اعتمدت المصانع البدائية على الأخشاب بقطع الأشجار لتوليد الطاقة والحرارة فلما أصبح هذا المورد مهدد بالإستنزاف تحول العالم الى الفحم الحجري وعندما فطن الناس للتلوث وصعوبة استخراجه ونقله تحولوا الى النفط وعندما بدأت بوادر نضوبه تدق الأبواب ركزت الصناعة جهودها على الغاز الطبيعي الأقل تلويثا والأسهل نقلا واستعمالا… والسعي حثيث الآن لإيجاد مصادر بديلة للغازوللطاقة بشكل عام  أضمن وأنظف وأقل تكلفة.

آرنولد توينبي المؤرخ البريطاني ( 1889-1975) صاحب كتاب من 12 مجلد “دراسة في التاريخ” طرح نظرية “التحدي والإستجابة” لولادة الحضارات وموتها فقال باختصار أن المجتمعات الإنسانية التى واجهت تحديات كبيرة من ناحية الطبيعة والمناخ والموارد وواجهتها بكفاءة نمت وترعرعت الى أن فقدت قدرتها على التعامل الفعال لتحدياتها فهرمت وماتت ، وأمثلة ذلك الحضارة اليونانية والرومانية والعربية الإسلامية .  أما المجتمعات التي تنعمت برغد الحياة والموارد ولم يكن عليها أن تكافح للعيش ضد تحديات طبيعية أو انسانية مثل جزر هاواي وغيرها في المحيط الهادئ،  والمجتمعات التي واجهت تحديات أعظم من مقدراتها وفشلت في مواجهتها لم  تقم بها حضارات أبدا مثل ألاسكا وسيبيريا وجزر مثل جرينلاند إذا ما قورنت بجزر أيسلندا التي قامت عليها حضارة لا بأس بها.

 ولكن ماذا يعني هذا الكلام لك أنت القارئ وأنت القارئة؟

متابعة لما طرحته هنا في المدونات الستة السابقة أرجو القارئ أن يتابع الفكرة معي إلى آخرها، فلنفترض أن الحلم والرغبة الطاغية في تحقيقه والمهارات المطلوبة والحافز الملتهب كلها متآزرة متآلفة ولا يشوبها لا الشك ولا الغموض فإن “الموارد” اللآزمة لتحقيق الهدف المنشود تفرض نفسها على الذهن وعلى الوجدان وكثير من الذين صمدوا حتى هذه الخطوة على الطريق تجدهم يقفون حيارى ويبدؤون بعملية لا يقل وصفها عن “إبداعية” في خلق الأعذار للعجز والتسويف والتراجع عن الهدف.

“كانت في متناول اليد وكل ما كنا بحاجة اليه هو……” إملأ الفراغ بمبلغ كذا وكذا أو مكان كذا أو لو فلان أعطانا كذا …. الى آخر الصفحة ولكن الحقيقة تختفي وراء هذا الطوفان من الأعذار لأن “الوهن” يكون في الصميم وفي الهدف وفي الحافز الأساسي وعمق الأيمان بأحقية صاحبه في الحصول عليه وليست قضية موارد. فيما يلي سرد لمصادر الدعم بشتى أنواعها التي يمكن أن تكون تحت بصرك وبين يديك، ولكني سأقفز فوق البديهيات التي يشترك فيها معظم الناس من دعم مادي للقيام بمشروع الى العثور على مكان مناسب، متجرا ، مزرعة ، أو ملعبا.  سأركّز في عجالة على الموارد التي غالبا ما تغيب عن الذهن تحت وطأة السرعة والقلق والرهبة من قيام عمل ما.  وهناك موارد وهناك النقيض لها ويجب التعامل بنفس الجدية مع كليهما:

المكان والزمان: شاب في كامل عافيته يقضي أكثر من عشرين سنة في إحدى المدن الأمريكية الكبرى بجامعاتها ومصانعها ومعاهدها التكنولوجية ويعود تاركا وراءه حتى خفي حنين! ويشكو البطالة ليل نهار! كل الموارد كانت متاحة له ولكنه لم يأبه بها.  وماذا عن العمر الغض والطاقة الفائضة في ذاك العمر؟ أليست هذه موارد يتمناها كل محروم منها؟ والتقيت منذ أعوام بشاب على مقهى وكانت خلال ليالي رمضان ، وكانت طاولته خالية إلا منه فدعانا بأدب جم للجلوس معه فجلسنا وتبادلنا الحديث في أمور شتى.  فقال أنه يأتي لهذا المقهى كل يوم بعد الدوام في حوالي الخامسة مساء ولا يبرحه إلا بعد أن يبدأ بقفل أبوابه عند منتصف الليل. سبع ساعات كل يوم لا كتاب ولا حاسسوب ولا جليس.  “إن الشباب والفراغ والجده*** مفسدة للمرء أي مفسدة” (أبو العتاهية)

الجغرافيا والزمان والمكان تخفي فرصا هائلة لمن “ينكش” تحت السطح حتى في سجون عتاة يمنع فيها الكتب وأية أدوات ترفيهية أو تعليمية أخرى ولكن ذلك لم تحل الضابط ألأسير في الحرب الكورية من ممارسة اللعب على البيانو ذهنيا ست ساعات يوميا فلما تم الإفراج عنه بعد سبع سنوات لم تشب مهارته أية ترهلات ولم ينتقص السجن منها شيئ بل استطاع أن يشحذها ويطورها.

العلاقات والتواصل : النشاط المهني والإجتماعي والمشاركة في الندوات والدورات والعمل التطوعي تضاعف رصيدك من موارد “فالغداء منفردا فرصة ضائعة” فالنصيحة بأن “تهادوا وتزاوروا” نصيحة فعالة وتفتح آفاقا واسعة.

التكنولوجيا الحديثة: هذه فرصة من يضيعها فلا يلومنّ إلا نفسه وقد أدرجت في مدونة سابقة روابط لمصادر للتعليم والتدريب وتطوير الذات

التفرُّغ والتركيز على الهدف: يمكن لهذا العامل أن يعوض غياب العوامل الأخرى فقليل منا عنده الإستعداد أن يعطي ما يستحقه الهدف من جهد وتركيز كالذي يقود السيارة وفي فمه سيجارة وعلى أذنه تلفون فهي مسألة وقت “وحظ” قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه.  ولكن الأهم من هذا هو أن يتخلص صاحب الحلم الكبير من كل شيئ يعكر صفو قلبه وعقله من ذكريات سلبيه، أو أخطاء، أو ضغائن، أو مثبطات من الخوف والتردد.  فكما لا نحب ولا نقوم  بالذهاب للسينما لرؤية فلم سيئ  مرة ثانية أو ثالثة أو الجلوس على التلفاز لمطالعة مسلسل رديئ لبلة بعد ليلة ، فعلينا كذلك ألا نضيع الوقت أو الطاقة في استحضار ذكريات ومناظر للفشل او للألم أو للخوف أو للحزن ونركز على كل ما يساهم في التقدم نحو الهدف المنشود.

هذه الموارد وغيرها كفيلة إذا استخدمت جيدا وبمهارة وبدهاء أن تحقق الهدف فليس بينك وبين هدفك الآن إلا خطة للعمل على تطبيق هذا البرنامج ووضع بنوده موضع التنفيذ لتقطف ثمار جهدك ولو بعد حين. وهذا موضوع القسم التالي.

يتبع ………………..

Advertisements