(8 والأخير)”وقل اعملوا…..”

Sailing boat

“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا” (ألكهف 30)

“سلحفاة على بُطئها تصل آخر الحقل إذا أطلت برأسها ومشت ولكن أرنبا  له سرعة البرق لا يغادر جحره خوفا وجزعا”

“حل جيد وسريع في الوقت المناسب خير من حل مميّز يأتي بعد فوات الأوان”

“لا تضيّع عمرك في التسديد على هدفك…أطلقِ السّهمَ وسدّدْ بعده!”

مَــدْخل

“القراءة الرشيدة” كان إسم الكتاب المقرر لتعليم القراءة للصفوف الإبتدائية في الخمسينيات، وكان المسلسل غني بالقصص القصيرة ذات المعنى والحكمة والميسرة لتسهيل الفهم. إحدى القصص – وكثير من القراء لا بد أن سمع بها – كانت عن رجل صاحب أحلام كبيرة وعريضة وعنده جرة عسل يعلقها من حبل على الحائط حيث يجلس فوق رأسه.  وفي ذات يوم على عادته جلس يعدّد ويخطط للمال الذي سيجنيه إذا باع العسل في السوق واشترى بثمنه بقرة،  والبقرة ولدت عجولا وصار عنده قطيع من البقر وتزوج أجمل امرأة على غناه فولدت له ولدا فأخذ يحدث نفسه بأمثل الطرق في تربية الولد ليكون على شاكلته عصاميا مخططا بارعا ولكن إذا لم يعمل بنصيحته وحسب أوامره “فالعصا من الجنّة” فسيضربه ضربا غير مبرّح – طبعا – ليعطيه درسا فحسب…. ومن اغـْرِوْراقِه في الخيال رفع عصاه التي كانت بجانبه ليضرب به ولده العاق فضرب الجرة وسال العسل فوق رأسه… وضاع الحلم ولمّا يبرحَ مكانه!

Abandoned boat

درهم فعل أنفع من طـُن تنظير

هذا القسم الأخير من مسلسل المدونات عن الحلم والخطى لتحقيقه والذي يركز على الفعل وعلى الحركة وعلى وضع التنفيذ مكان التنظير فقد “كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.” وكما قال أبو الطيب (أو قيل أنه قال): إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة*** فإن فساد الرأي أن تترددا. ولتفادي الإعادة والإجترار التي تقود إلى الملل ، سأفترض أنه تم اكتشافك لحلمك ولسبب وجودك على هذا الكوكب ولديك الآن صورة حيّة لوضعك عندما تحقق هذا الحلم، وقيّمت كل المهارات التي لديك والتي ليست لديك ولكنها على مرآى منك وفي مرمى سهامك، وأنك على قناعة تامة بالحافز وراء حلمك، وثمّنت كل مواردك، والآن ستبدأ بالعمل وبالحركة وباتخاذ الخطوات الأولى على الطريق… فهل أنت مستعد لتنطلق خارج مدارك الذي قيدك سنين؟ هل أنت جاهز لترى ما وراء حواجز الخوف وما بعد الأفق؟ هل فعلا لديك حلم يستحق العناء أم أنه أضغاث أحلام وفراشات رغبات لا اتجاه لها ولا لب؟ أنت الآن أمام نفسك لا رقيب عليك ولا يعلم ما في نفسك إلا بارئها.  أنت السفينة الراسية في الميناء فهل ستـُبحرفترى بحارا بأمواج غلاظ ومرافئ في بلاد لم ترها من قبل أم ستظل في مرفأك يتكاثر حول مرساك المحار والطحالب حتى لا تعود تقدرعلى تحريك الدفّة بعد حين؟ هذا قرارك أنت فاتخذه الآن وليس غدا.  فأين تبدأ إذا نويت السفر؟

* تخلّص أولا من أعباء ما حمّلتك به الأيام من أثقال عاطفية وخيبات أمل أو غدر أو سوء معاملة أو سوء ظن فليس لديك بعد الآن متسع من الوقت أو الطاقة أو المكان لمثل هذه الأشياء. إرحل خفيفا!

* كن شاكرا لما بين يديك وما أنت عليه، فبالشكر تدوم النعم “ولئن شكرتم لأزيدنكم” يجمع علماء النفس على أن الشكر بوعي وبحضور ذهني هو أسرع وأنجع وسيلة للتغلب على حالات اليأس والغضب والندم. وهو الطريقة المثلى لاستعادة الشعور بالسكينة وراحة النفس وجذب الخير. التنكر لما ننعم به – وهو لا شك كثير – يحصرنا في جو من “الندرة” والشّح ويغلق علينا باب كل جميل.  ألشكر يضعنا في فضاء أوسع ليستوعب ما نحن بحاجة إليه لأننا بالشكر نفتح الباب له ونرحب به! ألشكر- عنما يصبع عادة راسخة –  يفعل الأعاجيب.  فابدأ يومك وفي دقائق قليلة بالشكر على ثلاثة أشياء أو ثلاث أصدقاء أو اختر ما تريد أن تعبر بالشكر عليه.

*  تخلّص من العادات السيئة السلبية التي لم تعد تتماشى مع برنامجك وأهدافك وحلمك الكبير. فإذا لم تـُغير أي شيئ فلا شيئ سيتغـيـّر! غير موعد نومك وموعد استيقاظك، غير توزيع طاقاتك قبل أوقاتك، قليلا قليلا ، عادة عادة، خطوة خطوة ستجد نفسك في وقت قياسي قد استعدت الثقة بنفسك وبقدراتك.

*  التحق فورا بدورات تشحذ من خلالها مهاراتك وإذا كنت كاتبا فاكتب وإذا كنت تاجرا فتاجر وإذا كنت موسيقيا فالعب على أوتارك. لا تنس الجمع بين المهارات “الناعمة” من لغات التواصل وحسن الإستماع والإصغاء والمهارات المهنية من حاسوب إلى تطوير في مهنتك لتصبح بين ال5% العليا في كل ما تقوم به. وإذا كنت “غريبا كالمسيح بين اليهود” كما قال المتنبي فاستهدف أن تكون بين ال1% فإنك إن لم تتميز بكفاءاتك وآداءك فلن يميزوك فغيرك “أرخص” أو من ذوي القربى. قم بأكثر مما هو مطلوب منك وتوخى وتوقّع أقل مما تستحق. كن كريما في كل ما تعمل وفيما تعطي. “واتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن” (حديث شريف عن أبي ذر)

*  جدّد ملف عناوينك و”البزنس كاردس” فأعد الإتصال بمن نأيت عنهم أو نأوْا عنك إذا كانوا عونا لك أو أنت عونا لهم وباعد بينك وبين “المثبطين، المبعثرين للطاقة والوقت”

*  اجعل لك علامات على الطريق للدلالة على تقدمك ووجهتك وليكن مثلك مثل “الطوربيد” الذي يحافظ على وجهته رغم المعوقات من رياح أو موج بما أودع  في داخله من برمجة وتعليمات دقيقة بالهدف بعدا وموقعا. من اكبر الكوابح للتقدم ولغرس اليأس في النفس عدم وجود أي رجع أو صدى لأفعالك وكأنها تضيع في المدى الواسع أو تختفي في أحد الثقوب السوداء. فجد صديقا صدوقا يدلك على صوابك وخطأك بنفس الحماس ونفس الجرأة.

سأنهي هذا المشوار عن الهدف وتحقيقه بالإشارة إلى أهم الأعذار التي نتورع بها لتبرير فشلنا ولفلسفة عجزنا ولإلقاء اللوم على غيرنا فلنتبرأ منها الآن وإلا ستطاردنا حتى نهلك فيأكلنا الندم كما تأكل الضبع الظبي المنهك:

#  “فش حظ…. واللي ما له حظ لا يتعب ولا يشقى”  فنم ليلك ونهارك “فما فاز إلا النوّم!”

# ” الرزق أقسام والله هو الرزاق….وأنا كما ترى….” يقول هذا ولم يمض على اعترافه بأنه لم يعمل شيئ مطلقا منذ 18 سنة منذ أن تم إغلاق المصنع في ….. ونسي قوله تعالى “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها” أو قوله  “وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها...” و لكنه لم يرد مغادرة الشجرة والراحة في ظلها “كالطير تغدو خماصا وتعود بطانا”

#  ” النجاح يحتاج لذكاء خارق وأنا مجرد “إنسان عادي” لا موهبة ولا والد متعلم وزوجتي “شغلتها وعملتها ألله وكيلك المَـشْوَرة عالمول! والأولاد كثروا….”

#  ” الناس اللي مثل هذول” (يقصد الذين نجحوا) عندهم عقد نفسية أو مجانين وغير اجتماعيين و”بصراحة لا يمكن أقبل لنفسي أكون منهم!”

# ” الناس الطيبون” عندهم اعتدال في كل شيئ “مش شغل ليل نهار” ولا “تعلق لحد الجنون” بكذا كذا…. فيستوي عند هؤلاء “الإهتمام بالشيئ” و”الإنغماس أو لإفراط في حبه” كمن يطلب الزواج من “منية النفس” بقوله لها أو له “أنا الحقيقة مهتم جدا بك….” بدلا من ” إذا طاف قلبي حولها جُنّ شوقه *** كذلك يطفي الغلّة المنهل العذبُ”

#  وأريد القارئ أن يتصور هذا المشهد للعبرة: يوما ما يأتي أحد أطفالك فيقول لك ” بابا /ماما أنا أريد أن أكون لاعب تنس عندما أكبر…. هذا حلمي” فماذا ستقول له او لها؟ لا أنت ستكون طبيب / مهندس / فيزيائي / كيميائي / مطرب….. إملأ الفراغ كما شئت أو ربما ستسرح قليلا في السقف أو في عيني طفلك وتستحضر الماضي فتقول له: “أنا أيضا كان لدي حلم كبير كبير كبير….” فيسألك “وماذا جرى يا بابا / با بوي / يا زلمي؟” فتقول مشيحا بوجهك عنه….”لقد ولدتَ!”

وهاهي عواقب التكاسل أو الإهمال في تحري هذه المقومات والقواعد والتمكن منها :

snail on the road

غياب هدف واضح يورث الضلال والحيرة

غياب المهارات اللازمة يورث القلق ويعكر صفو الحياة

غياب الحافز يبطئ الوصول ويورث اليأس من تحقيق الهدف

غياب الموارد والدعم يخلق خيبة الأمل والعجزويولد الحقد والحسد

غياب الفعل والمثابرة وبذل الجهد يحوّلُ أعظم هدف إلى مجرد وهم وخيال وسَرَحان

وغياب أي رجع أو صدى لما تفعل هو مضيعة الدرس والعبرة وخسارة للمعرفة والتجربة

 وختاما أدعوك للتوقف عن القراءة والبدء بالعمل وبالفعل فما استعصى على قوم منال*** إذا الإقدام كان لهم ركابا

Go Button

وإذا كنت تود طرح أسئلة أو نقاش أو مشورة فاتصل بي بكل ثقة بالحفاظ على خصوصيتك على:

Jamal.barghouti@gmail,.com  

Advertisements