ألحياة… مسرحية تستوجب حضورك على خشبة المسرح في كل لحظة

بعد عقد زواجي بيومين تقريباً جاءني خاطر أني كنت شارد الذهن وقت ترديد الصيغة!! مستمع يسأل عن صحة زواجه

قتلني موضوع الشرود في الصلاة ، لا اتذكر صلاة واحدة اقطع انني حفظت تفكيري فيها من الشرود ، بدء من التكبير الى التسليم عن شبكة السراج

إذا كان كل ما في بالك وذهنك هو إما ذكرى من الماضي أو أمل فيما هوآت فماذا أبقيت لحاضرك؟ كيركيجارد – الفيلسوف الوجودي الدنمركي

   46أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور  الحج

تفكر ساعة خير من قيام ليلة  عن ابن عباس 

الفكرة أولا…

حدث هذا قبل أكثر من ثلاثين عاما ولكني لا أزال – من وقعه في نفسي – أذكره كما لو حدث أمس

تم الإعلان عن اقتراب موعد إقلاع الطائرة في رحلتها اليومية من مطار (ألبوكيركي) بولاية نيومكسيكو إلى مدينة (هبس) في أقصى جنوب الولاية ، فنهضت من مقعدي في الصالة أمام مكتب الطيران مباشرة وفي يدي المجلة التي كنت أقرأ فيها واتخذت موقعي في الطابور أمام البوابة التي لم تفتح بعد.  وطال علي الأمد في الطابور بانتظار أن يفتح الباب ونذهب نحو الطائرة فعدت للقراءة في المجلة واقفا، على يساري  شاب وراء مكتب شركة الطيران يتناقل أوراق وتذاكر ويلقي نظرة عاجلة نحو البوابة وعلى يميني ركاب في مقاعدهم بانتظار اقلاع طائراتهم نحو مدن أخرىبعد وقت لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم صحوت من “السرحة” فوجدت نفسي لا أزال في الطابور وفي نفس الموقع أمام مكتب الطيران ولكن بفارق بسيط وهو أنني الوحيد لا أمامي ولا خلفي يقف أحد،  فأخذتني حيرة لا قبل لي بها فهرعت نحو الشاب الذي لا يزال يضع اللمسات الأخيرة على ما أنجزه ذلك اليوم وسألته في البداية بهدوء فيما إذا تم استبدال البوابة ببوابة أخرى لطائرة “هبس” فأشارالى حيث كانت  تقف الطائرة وقال بلهجة العارف ” أنظر بسرعة قبل أن يختفي ذنبها، فقد أقلعت للتو بعد تأخير بسيط على المدرج…. ولكن لماذا تسأل؟”

!كل عزاءي كان في “مَكْرمة” بعشاء على حساب شركة الطيران

التفكر…والوعي…والحضور الذهني

ليس من الضروري أن تكون جرّاحا أو مفككا للألغام أو قافز مظلات لتدرك أهمية أن تكون واعيا تماما بما تصنع يداك أو بما يدور في ذهنك، فماذا عن قطع الشارع في زحمة بعد الظهر؟ أو كم مرة عليك إعادة قراءة نفس الصفحة في كتاب؟ أو التلذذ بما تأكل وتشرب أو إدراك ما يقع عليه بصرك أو تسمعه أذنك؟ جمال الغسق ، زهرة في جدار ، رائحة قهوة تحت التحميص ، ابتسامة طفل فقد “سن الحليب الأمامي” ، أو جلستك الآن بثقلك على الكرسي ووضع قدميك تحت مكتبك …..؟

  وبالمناسبة هذا “السرحان” والعيش في اللاوعي من ماضي انقضى أو مستقبل في عالم الغيب والتضحية بيقين الحاضر ليس حكرا على شعب أو لون أو دين. من بين المسلسلات الأمريكية في حقبة الستينيات والسبعينيات كان المسلسل العائلي “المتزوجون الجدد.”  في حلقة منه عرض عريف المسلسل تقديم جائزة ثمينة وكانت عبارة عن مطبخ متكامل من الكهربائيات لأي زوج ممن مضى على زواجهم أكثر من 10 سنوات أن يجيب عن السؤال مباشرة على المسرح : “ماذا تقول في لون عيني !زوجتك؟” وفاز بالمطبخ إثنان فقط من 15 ممن تقدموا للمسابقة!

لا تشغل البال بماضي الزمان”

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذّاته

فليس في طبع الليالي الأمان

*****

“لا توحش النفس بخوف الظنون** واغنم من الحاضر أمن اليقين

“فقد تساوى في الثرى راحل** غدا وماضٍ من ألوف السنين” (من رباعيات الخيام – ترجمة أحمد رامي

يعتقد كثيرون أن التفكر أو التأمل ممارسة  يحتكرها الهنود والبوذيون وليست من الدين الحنيف في شيء، رغم ان القرآن والسنّه وما كتب العلماء تحض على حضور الذهن والخشوع في الصلاة وفي كل العبادات، بل تتعدى ذلك في طرحها الى أهمية بل ضرورة حضور القلب والوجدان بصفاء النّـيـّة قبل القيام بالفعل حتى في أشد اللحظات حميمية وغرائزية! وأكاد أضيف أن المدرسة الإسلامية أثـْرت طريقة التأمل والتفكر من بدائيتها الى السمو بها فكريا وعمليا كما سأشرح بعد قليل.

التفكر أو التأمل هو باختصار العيش في اللحظة الحالية والوعي بما تدركه الحواس فرادى ومجتمعة لإعطاء الدماغ فسحة من “التقاط الأنفاس” واسترجاع زمام المبادرة التي سطت عليها واختطفتها “خيول العواطف الجامحة” التي تمكنت من تقييد الدماغ وعمليات العقل المنوطة به لتظل تدور كالحمار حول الساقية من ماضي تؤججه الذكريات أو مستقبل ينهكه القلق وتنهشه الوساوس. التأمل يفك القيد فيقف العقل عن التعقل للحظات تتيح له أن يمسك بعنان العواطف الطاغية من جديد،  أوكالطائر الذي ما انفك يضرب جدران القفص بجناحيه حتى أثخنته الجراح والآن يقف على الفنن المصطنع المعلق في القفص، يسدل جناحيه المهيضتين ويستجمع قواه وحواسه ووعيه بما حوله ليعود تدريجيا لطبيعته ووحدته مع الكون ومقوماته وإيقاع موسيقاه.

أليس من الروعة أدقها ومن الجمال أعمقه ومن الوحدة أكملها أن تكون على نفس النغمة مع الكون على سعته ومع شهيق وزفير مخلوقاته؟ “وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم” (الإسراء-44).  “ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ” (ألأنعام 38).

  وإني إخال أنه مما قصد في الحديث القدسي هو هذا التقرب للخالق بالتأمل في خلقه وصنعته وعظمته وجميل صفاته وهذه الوحدة مع الكون وإيقاع حركته في مدارات مجراته فمن الحديث ”  وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافلحتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر فيه ، ويده التي يبطش بها ،ورجله التي يمشي بها  ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه

العبرة في التطبيق

سأقفز فوق الديباجة حول فائدة التفكر وحضور الذهن وما ثبت منها علميا حتى أصبحت من الممارسات الشائعة في كثير من المصحات والعيادات حتى وصل ذلك إلى بعض شركات التأمين التي تقوم بتخفيض سعر تكاليف التأمين لكل من يمارس التأمل، تماما كالنسبة التي تعطيها لمن لا يتعاطى التدخين أو اية عقاقير… وسأدرج هنا بصورة مبسطة وعملية وفعالة والتجربة خير برهان:

  1.   اختر مجلسا مريحا وأغلق مصادر الإزعاج والمقاطعة ما استطعت الى ذلك سبيلا وتوخى نفس المكان والزمان في كل مرة.  بعد صلاة معينة إن كنت من المصلين أو بعد ممارسة الرياضة مثلا إن كان ذلك أنسب.
  2.   ابدأ بتنظيم تنفسك بصورة واعية وطبيعية بالبدء على التدريب بالتنفس من تحت الحجاب الحاجز وليس من الصدر فستبدأ بملاحظة صعود وهبوط البطن مع الشهيق والزفير.  حافظ على حضورك الذهني مع كل شهيق وزفير.
  3.   حالما استقر بك هذا الحضور الذهني لبضع دقائق حاول أن تعي ما بك وما حولك في اللحظة الآنية: ثقلك على الأرض أو على الكرسي، أية أصوات من حولك، أية رائحة ، ملمس المقعد، أغلق عينيك بخفة، توخى الوعي التام ببدنك وارصد كل محاولة من عقلك التسلل لوعيك هذا بذكرى مؤلمة أو مهمة تنوي القيام بها أو قلق حول أمر من أمور الدنيا….ودافعها بلطف دونما تقييم أو حكم عليها بالصح أو الخطأ، بالحلال أو الحرام، فقط عش هذه اللحظة بكل حواسك ودع طائر روح سترخي بجناحيه لدقائق فقط دونما نكد أو خوف أو تثمين….فقط “كن” في اللحظة… لحظة تتبعها لحظة… لا أكثر ولا أقليييي
  4.   قم بهذه “الجلسات” مرتين في اليوم وابدأ بثواني فقط وتدريجيا حتى تصل الى بضع دقائق حتى تصل الى عشر دقائق أو عشرين دقيقة….وإذا غلبك النوم فهو ربما بسبب استرخاء ودعوة من الجسد للراحة التي من المحتمل أن تنكرت لها أو بالحاجة لها، فدافعها باستحضار وعيك مجددا والعودة بملاحظة رتابة تنفسك مع الشهيق والزفير.
  5.   العمل على تربية النفس وملكة الوعي على ملاحظة ما يدور حولك في كل لحظة: أنظر الى السماء ولونها وهل هي غائمة أو صافية بعد أن تضع أكياس الخضروات في المقعد الخلفي مثلا.  هل لاحظت الخدش في ركبة طفلك؟  هل رأيت القميص الجديد على زميلك في العمل في المكعب المقابل لمكعبك في المكتب؟ هل وعيت ملمس التفاحة قبل قطعها أو شممت رائت لبها؟  أنظر الى بذرة من بذورها، ضعها في راحة يدك واستحضر في ذهنك كل المعلومات المخزّنة في جوف هذه البذرة من لون وطعم ونكهة ستورثها في التفاحة المقبلة لو زرعت! الماء…. الكهرباء…. الهواء….فهم ما يقوله لك حسن أو علي…فإن أكثر ما يحب أحدنا أن بجد الأهتمام بما يقوله وسماع اسمه وإعادة بعض كلماته للتدليل على الإهتمام به…..

هذا كل ما في الأمر…. الوعي بوجودك في المكان والزمان والتواصل بهذا الكون وبمبدع هذا الكون والتأمل في جميل صنعه والشكر عليه….هذه صلاة وعبادة تمارسها في شربة ماء، في ابتسامتك في وجه أخيك، في وعيك بصحتك وشبابك…

 “فترى الكون في حبة رمل…. والجنة في زهرة بريّة

(أمسك في راحتيك الأزل…. وفي ساعة واحدة – ألأبديّه” (وليام بليك – ترجمتي

Advertisements